وراء كل فكرة عظيمة رجل عظيم

 

في عام ١٩١٨م ولد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان بمدينة أبوظبي حيث أحاطه أبوه وأمه الكريمان بالرعاية والتنشئة الحسنة، فَتَعَلَّم القرآنَ ونَشَأَ في جَوٍّ مُفْعَمٍ بالْحُبِّ والدِّين والخلُق الفاضل، فانعكس ذلك على حياتِه وسُلوكِه الشخصي حتى صار الحبُّ والإيثارُ والْجدُّ والصبر سجاياه الأساسية عِندَما كبر(1) . وظهرت فيه علاماتُ القيادةِ والعبقريةِ وروحِ التسامُح فأصبح فيما بعد قائدا حكيما سَيُغَيِّر وَجْهَ المنطقة ويَنْقُلُها مِن الحياة البدوية الصعبة إلى الْمَدَنية الحديثة بأرقى صُوَرها وأبْهى حُلَلِها . 

 
ويَمْضِي الزمَنُ فيُصبِحُ الشيخ شخبوط، الأخ الأكبر للشيخ زايد، حاكمَ إمارة أبوظبي بعد وفاة والدهما الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان (1922 - 1926م). ويبدأ الأخَوَانِ مرحلةً جديدة يَنالُ فيها الشيخ زايد إعجابَ أخيه الشيخ شخبوط الذي يُسند إليه مَهَامَّ قيادية عُليا لِما رأى فيه مِن مؤهلات القيادة وعلامات المجد، فيصبح الشيخ زايد مُمَثِّلا للحاكم في منطقة العين عام ١٩٤٦م، حيث تَتَفَتَّقُ عبقريتُه وموهبته السياسية والقيادية، ويُرَاهِنُ على قُدرة الإنسان على بناء الدولة وتحويل الصحراء إلى واحة خضراء، مُدْرِكًا أن الأرض هي مصدر الغناء والثروة؛ لذلك قال: ‹‹أعطوني زراعة أضمن لكم الحضارة›› (2). 

كان الشيخ زايد يتابع أحداث العالم مِن طريق الإذاعات والصحف العربية فيرى التقدُّم الذي يحدث في العالم والإقليم مِن حَوْلِه، فيزداد تَأَلُّمًا بما يراه ويَلْمَسُه مِن تَخَلُّف بلاده وتَمَزُّقِها، فجعل هَدَفَه الأسْمَى هُو إنقاذَ بلاده وتَحويلَها إلى دولة عصرية تُوَفِّرُ الرفاهية والازدهار لشعبها (3). بدأ خطة عاجلة لإصلاح الزراعة في مدينة العين تَمَثَّلت في توطين البدو وبناء أفلاجٍ جديدة وشَقِّ قنوات منها وتوصيلها إليهم، ثُمَّ تتالت جهود الإصلاح (4). 

 
 
 

 
1  . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل›، في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة (كتاب الدورة الأولى 2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، 2010، ص 26.
2  . انظر: الدكتور خالد بن محمد القاسمي، زايد حكيم العرب، المكتبة الجامعية، الأزاريطة – الإسكندرية، 2000، ص 65.
3  . خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات: مسيرة قائد وإرادة شعب، الكتاب الأول، مؤسسة الكتاب الحديث (بيروت) / دار الثقافة العربية (الشارقة)، ط 1، 1992، ص 142 – 143.
4  . المرجع السابق، ص 142 – 143، 145 فما بعد.  
 
 

مِنَ العين نَبَعَتْ فِكْرةُ الاتِّحاد في ذهن الشيخ

 
إن فكرة اتحاد الإمارات ليست جديدة، لكنها ارتبطت في الماضي بحكومة الاستعمار البريطاني التي تَقَدَّمت عام 1937م إلى حُكَّام الإمارات بمشروع لتوحيد الإمارات المختلفة (5) قَصْدَ تَسْهِيلِ حُكْمِها، وكرَّرَت تلك الدعوةَ عام 1952م، ونجحت في إنشاء مجلس الإمارات المتصالحة (6). وتوالت التطويرات على هذا المجلس. فقد أنشئ في عام 1958م لجانٌ لمرافق أساسية مثل الصحة والزراعة والتعليم، ثم أُنْشِئ مجلس التشاور عام 1964م (7). وجاءت خطوة أخرى سنة 1965م بوضع مشروع الميزانية الذي اقْتَرَح أن تَتَولَّى الإماراتُ الغنية مثل أبوظبي تمويلَ مجلس الإمارات المتصالحة، وفي العام نفسه أنشئ مجلس تطوير الإمارات المتصالحة (8) . لكن تلك المحاولات، كما رأينا، كانت مرتبطة بسياسات استعمارية، أمَّا المحاولات الجادَّة نحو إنشاء اتحاد حقيقي بين الإمارات المختلفة، فقد انطلقت من أفكار ومصالح محلية.
 
كانت منطقةُ العين الْمَحَطَّةَ الأولى مِن مَسيرةِ بناء الاتحاد ومَلْحمةِ النهضة الحديثة في دولة الإمارات. فعندما كان الشيخ زايد يَجُول في تلك الصحراء الشاسعة الممتدة التي تَخْتَزِن ثروة طبيعية ضخمة وإرْثًا حضاريا يعود إلى آلاف السنين (9) ، أحَسَّ أنه يَنْتَمِي إلى حضارة عريقة ألْبَسَهَا الإسْلامُ حُلَّة جديدة وأكْسَبَهَا قِيَمًا رفيعة، وأدْرَكَ في الوقتِ ذاتِه أنَّ أمَامَه مُهِمَّةً عظيمة تنتظره .. مُهِمةَ البناء. وتَضاعَفَ هَمُّه وإحساسُه بتلك المسؤولية الجسيمة عندما كان يَتَنَقَّل بين القبائل المختلفة فلا يجد حدودا طبيعية ولا ثقافية تفصل بينها، بَلْ كانت لديه قناعةٌ بأن الدِّين والطبيعة والثقافة والتاريخ والأعراف تُوَحِّد تلك القبائلَ والمجموعاتِ المنتمية إلى إمارات مختلفة (10) . مِن هُنَا نَبَعَتْ فِكْرَةُ إنشاء اتحاد فعلي يضم جميع الإمارات، لكنها – كشأن أي فكرة جديدة – ظلَّت تَنتظِر الزَّمانَ المناسِبَ لتحقيقها والإنسانَ المناسِبَ لتجسيدها؛ هنا تجلَّت عبقرية المكان والزمان والإنسان. كان يُراوِدُه إحساسٌ غامضٌ بأن المكان يَخْتَزِنُ ثَرَواتٍ ضخمة لكنها تحتاج إلى مَنْ يُحْييها ويُفَجِّر مَكْنُونَها المادي والثقافي. ولم يكن ذلك بالأمر الْهَيِّن بسبب شُحِّ الموارد الاقتصادية وانعدامِ البنية التحتية، لكن إرادة الإنسان لا يَحدُّها شيء. كانت تلكَ مُجَرَّدَ تأمُّلاتٍ وأحاسِيسَ تحتاج إلى مَزِيدٍ من الوقت لكي تَتَّضِح وتَتَبَلْوَر.  
 
في مدينة العين كان الشيخ زايد مُقْتَنعا بأن المنطقة لا يُمكِن أن تَنهض وتَتقدَّم إلا إذا اتَّحدت اتحادا حقيقيا. لقد قال ذات يوم: ‹‹إن الاتِّحادَ هو طَرِيقُ القُوَّةِ وطَرِيقُ العِزَّة والْمَنَعَةِ والْخَيْرِ الْمُشْتَرَكِ؛ والْفُرْقَةُ لا يَنْتِجُ عَنْهَا إلَّا الضَّعْفُ، وإنَّ الكِيَانَاتِ الْهَزِيلَةَ لَا مَكَانَ لَهَا فِي عَالَمِ الْيَوْمِ (11) .
 
 

 
5 . عادل الطبطبائي، النظام الاتحادي في دولة الإمارات: دراسة مقارنة، مطبعة القاهرة الجديدة، ط 1، القاهرة، 1978، ص 30، نقلا عن: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 50. 
6 . عادل الطبطبائي، النظام الاتحادي في دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 33، نقلا عن: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 50.
7 . خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 50.
8 . المرجع السابق، ص 50.
9 . خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات: مسيرة قائد وإرادة شعب، الكتاب الأول، مؤسسة دار الكتاب الحديث (بيروت) / دار الثقافة العربية (الشارقة)، ط 1، 1992، ص 29 فما بعد؛ أمل الصباح، شيخ العرب، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طُبِعَ بمطابع دار أخبار اليوم (مصر)، ص 18 – 19؛ وعن تاريخ الإمارات، رَاجِع: الدكتورة فاطمة الصايغ، الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة، دار الكتاب الجامعي، العين، 2000.
10 . راجع على سبيل المثال: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 52.
11 . الدكتور خالد بن محمد القاسمي، حكيم العرب زايد بن سلطان آل نهيان، المكتبة الجامعية، الأزاريطة، الإسكندرية، 2000، ص 80؛ خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 52.
 

العين وحُلم البناء والاتحاد

قال الشيخ زايد لأحد الصحفيين العالميين معبِّرا عن طموحه ورؤيته لبناء بلاده: ‹‹في أحد الأيام عندما كنتُ حاكما للعين في منطقة العين، كنتُ أتَمَشَّى في طُرُقات العين .. أحْسَسْتُ وأنا أرى الناس والبيوت والجبال والوديان أنَّ حضارةَ هذا البلد تكاد تَصْرَخ فِيَّ، وتَدْفَعُني دفعا إلى بناء دولة عصرية حديثة؛ هنا أخَذْتُ أُشِيرُ، وكأنَّني في حُلم روحي عذب: هُنا سيقوم مركز زراعي ضخم، وهنا منطقة صناعية، وهنا محطة كبيرة لتوليد الكهرباء . (12)
 

بدأ الشيخ زايد يُجَسِّدُ ذلك الحلم ويحقق طُمُوحَه كقائد في منطقة العين، فتلاحقت الإنجازات رغم تواضُع الإمكانيات، وتمكَّن في فترة وجيزة من إقامة بنية تحتية قوية: مباني إدارية وحكومية، ومشاريع إسكان كبيرة، ومدارس ومستشفيات وطرق .. وامتدت رُؤْيَتُه بعد ذلك لتشمل جميع إمارة أبوظبي بلْ الإمارات الأخرى، فتَعَزَّزَ شُعورُه بضرورة قيام اتحاد يضم الإمارات المتصالحة (13) . وصرَّح الشيخ زايد بهذا الشعور لـ‹السير وليام لُوسْ›، المقيم البريطاني السياسي في البحرين، في 22 ديسمبر 1954م، إذْ قال له إنَّ ‹‹الاتحاد ضرورة، وأنه ينبغي على أبوظبي تقديم الأموال اللازمة لذلك (14) .
 

ثُمَّ في السادس من أغسطس ١٩٦٦م يُصبح الشيخ زايد حاكمَ إمارة أبوظبي، بعد تَخَلِّي أخيه الشيخ شخبوط عن الحكم، استجابةً لرغبة الأسرة الحاكمة، ليبدأ منطلقا جديدا سيكون له شأنُه في تاريخ المنطقة. وفي هذه المرحلة تعمَّقت رؤيتُه الوحدوية، وأخذ يعمل في مستويين متكاملين: مستوى بناء الإمارة ومستوى بناء الاتحاد (15) . ورغم أن النفط لم يكن قد اسْتُغِلَّ بَعْدُ على نحوٍ كافٍ، إذْ هو في بدايات إنتاجه (16) ، فإنَّ بصيرة الشيخ زايد ورؤيته الإستراتيجية البعيدة المدى ألهمتاه منذ ذلك الوقت أنه لا فائدةَ من النفط ما لَم يُسْتَغَلَّ لتحقيق الوحدة وبناء الإنسان (17) ؛ فـ‹‹الإنسان هو الثروة الحقيقية›› (18) كما كان يقول دائما. ولأجل هذا سخَّر النفط لبناء الاتحاد ونهضته فيما بعد.
 
فعلى المستوى المحلي أنْشِئَت دائرة الأشغال عام 1966 لتنفيذ مشاريع البنى التحتية العملاقة في إمارة أبوظبي، وقد تطورت هذه الدائرة لتصبح من أهم ركائز التنمية في هذه الإمارة إذْ تولِّت تنفيذ المشروعات الكبرى من طرق وجسور ومطارات وموانئ بحرية ومباني إدارية ومستشفيات ومدارس بمختلف مراحلها الثانوية والإعدادية والابتدائية ورياض الأطفال وغيرها (19). وأصدر الشيخ زايد مرسوما في 20 مارس 1968م بإنشاء مجلس للتخطيط لتسير عملية النهضة والبناء وفق مسار علمي مدروس. وأصدر أوامره بتحويل أبوظبي إلى إمارة عصرية تقود الجهود نحو الاتحاد، كما أنشأ الوزارات والمؤسسات الدستورية المحلية استعدادا لوضع نظام ديمقراطي نيابي (20) ، وتحقيق مشروع الاتحاد الكبير.
 

وعلى المستوى الاتحادي أنشأ الشيخ زايد مع إخوانه حكام الإمارات الأخرى المجلسَ الأعلى لحكام اتحاد إمارات الخليج الذي انْعَقَد اجتماعُه الأوَّل برئاسته في أبوظبي في السادس من يوليو 1968م لدراسة إنشاء اتحاد. ولَمْ يَلْبَثْ هذا المجلسُ إلا قليلًا حتى تَجَسَّدَ حُلم الاتحاد في الثاني من ديسمبر 1971م.
 


 
12 . صحيفة الاتحاد بتاريخ 4 يونيو 1970، نقلا عن: حمدان راشد علي الدرعي، زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 21.
13 . راجع: راجع: ‹الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل›، في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة (كتاب الدورة الأولى 2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، 2010، ص 28.
14 . تاريخ الإمارات العربية المتحدة، مختارات من أهم الوثائق البريطانية 1797 – 1965م، المجلد الثالث، بريطانيا والقيادات الرائدة، تحقيق: د. محمد مرسي عبد الله، المشرف على الترجمة: ليزلي ماكلوكلين، مركز لندن للدراسات العربية، 1996، ص 345، نقلا عن: حمدان راشد علي الدرعي، زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، قراءة في الوثائق البريطانية ووسائل الإعلام العربية والأجنبية 1968 – 1971، مركز زايد للتراث والتاريخ، ط 1، أبوظبي، 1426 / 2005، ص 44؛ وانظر أيضا: ‹الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 28 – 29.
15 . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 30؛ خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 51؛ أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد، مرجع سابق، ص 65 – 66.
16 . رغم أن اتفاقيات التنقيب عن النفط في أبوظبي تعود إلى عام 1939م بين إمارة أبوطبي وشركة تطوير بترول الساحل المتهادن المحدودة، فإن أول شحنة تُنْقَلُ من نفط الإمارات إلى الخارج كانت في الثالث من يوليو عام 1962م. راجع: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 99.
17 . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 29.
18 . أمل الصباح، شيخ العرب زايد بن سلطان آل نهيان، مرجع سابق، ص 110.
19 . حول إنجازات الدائرة، انظر: دائرة الأشغال بأبوظبي : إنجازات 25 عاما من البناء والتعمير، مؤسسة  الاتحاد للصحافة والنشر ، أبوظبي، 1412هـ /  1991م.
20 . محمد حسن العيدروس، التطورات السياسية في دولة الإمارات، منشورات ذات السلاسل، الكويت، ط 1، 1983، ص 351، نقلا عن: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 52.

 

تكثيف الجهود لتجسيد الاتحاد في أرض الواقع

عندما كان الشيخ زايد وإخوانُه الحكامُ يَحُثُّون الْخُطَى لبناء الاتحاد كانت الأحداث الإقليمية والدولية تتسارع أيضا. ففي السادس من يناير 1968 أعلنت الحكومة البريطانية نيتَها سَحْبَ قُواتِها العسكرية من منطقة الخليج في نهاية 1971؛ وعلى الفور اتَّصل الشيخ زايد بأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي، في 12 يناير 1968 للتشاور ودفع الجهود نحو بناء الاتحاد (21) . لقد كان القائدان يَسْعَيَان منذ زمنٍ مع إخوانهم لتحقيق هذا الحلم، لذلك أعلنا اتفاقيةَ السميح التاريخية بإقامة اتِّحادٍ بين إمارة دبي وإمارة أبوظبي في 18 فبراير 1968م، ليكون نَواةً ومنطلقًا لاتحاد أشمل يَضُم الإمارات الأخرى. ودُعِيَت الإماراتُ الأخرى للانضمام إلى هذا الاتحاد.
 
ولا يزال صدى تلك الكلمات التاريخية التي علَّق بها الشيخ زايد على اتفاقية السميح في مارس 1968م يَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ بَيْتٍ ومكانٍ في الإمارات العربية المتحدة. ‹‹إنَّنَا نُؤْمِنُ بأَنَّ الوَحْدَةَ مَصِيرٌ عَرَبيٌّ يَجب أن نَسْعَى إليه جميعا، وأن نَعْمَلَ جُهْدَنَا لكي نُذَلِّل الصِّعابَ التي تَحُولُ دُونَه، ومَتَى خَلَصَتْ النِّيَّاتُ، وتَبَادَلَ الأشِقَّاءُ وُجْهَاتِ النَّظَرِ، وتَعَاوَنُوا فِيمَا بَيْنَهُم، فإِنَّنَا سَنَصِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الوَحْدَةِ الشَّامِلَةِ بإذْنِ الله›› (22)
 
بلْ إنَّ صَدَى تلك الاتفاقية تردَّد في مصر قلب العروبة النابض آنئذٍ، إذْ علَّقت إذاعةُ القاهرة على الحدث بتاريخ 20 فبراير 1968م؛ قالت: ‹‹إن البيان الذي صدر بإعلان قيام فيدرالية بين إمارتي أبوظبي ودبي هو خُطوةٌ طيبة، ومُؤشِّر بارز لمستقبل الأيام. وتُعَدُّ هذه الخطوةُ إيجابيةً في طريق الوحدة العربية، فهي تُعبِّر عن رغبات الجماهير لقيام وحدة واسعة شاملة، تضم كافة الإمارات في المنطقة، أو رُبَّما أغلب هذه الإمارات. وتُعَدُّ هذه الخطوةُ أيضا تعبيرا حُرًّا عن الإرادة العربية، في الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا عن انسحابها من المنطقة في نهاية عام 1971، وإن هذه الإرادة ستُغلِق البابَ أمام كافة الأعْيُنِ الحاقدة التي تَتَطلَّع لاختراق هذه المنطقة، تحت عَباءة ما يُسمَّى نظام الدفاع المشترك، أو حُجَّةِ مَلْءِ ما يُسمَّى بالفراغ. وفي هذا الصدد فإن اتفاق الدفاع العربي المشترك الذي يُمثِّله اتحادُ أبوظبي ودبي سيكون له مغزاه العمَلي، وسيمنح هذا الاتفاقُ الذي أبرمته الإمارتان – والذي هو عمل وطني وحدوي رائد – الفرصةَ لانضمام أيَّةِ إمارة أخرى إليه، وبلا شك فإن الكثير من هذه الإمارات ستأخُذ طريقَها للانضمام للاتحاد ... إن هذا الاتحاد سيُمثِّل، دون شك، حاجزا يمنع التغلغل الأجنبي، وإن هذا الحاجز سيَكْتَسِب قوَّةً أكبر كُلَّمَا تَرَسَّخ هذا الاتحادُ، وازدادَ قُوَّةً (23)
 
- رجال لهم تاريخ
 
بعد اتفاقية السميح كَثَّفَ حُكَّام الإمارات جُهودَهم وحَثُّوا خُطاهم لإقامة الاتحاد. ولم تكن جهود القائد المؤسس الشيخ زايد لِتَتَكَلَّل بالنجاح لولا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ نَذَرُوا أنفُسَهم وجُهودَهم وإراداتهم لبناء هذا الصَّرْحِ الكبير. 
 
ففي 18 يوليو 1971م أصدر مجلس الحكَّام إعلانَ الاتحاد، وفي الثاني من ديسمبر 1971م عقد حكام أبوظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة برئاسة الشيخ زايد اجتماعاً تاريخيا بقصر الضيافة في الجميرة (دبي) وأصدروا بيانا بإعلان الدستور المؤقَّت (24) للاتحاد وانتخبوا الشيخ زايد رئيسا لدولة الإمارات، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائبا للرئيس. ثم التحقت إمارة رأس الخيمة بقاطرة الاتحاد في 10 فبراير 1972. وبذلك بدأت مسيرة الاتحاد نحو النهضة والتقدم. 
 
لم يكن بناء الاتحاد في فترة وجيزة سهلا، ولا الطريقُ إليه مفروشةً بالورود، بلْ رُبَّمَا كانَتْ ثَمَّةَ أشْوَاكٌ وصِعَابٌ كثيرة. يقول الشيخ زايد مشيرا إلى ذلك: ‹‹أنَا أَعلم هذه العقبات .. ولكنني لا أُؤْمِن بالمستحيل .. لنحاول في كل ما نتصوره مستحيلا حتى يتحول المستحيل إلى مقربة من الواقع .. ثم يصبح واقعا نعيش فيه›› (25). نعم ثمة صعوبات بل مآزق أحيانا إلا أن تلك العقبات قد ذُلِّلتْ بفضل حكمة الشيخ زايد وصبره وإيمانه بأن الإمارات المنفردة لا يمكن أن تنهض مهما أوتيت من موارد وثروات، وبفضل وقوف إخوانه الحكام معه ومشاركتهم إياه في هذه الرؤيةِ (26)
 
وإذا كانت مساعي الشيخ زايد والقادة وحلمهم الكبير بالتحاق الشقيقتين قطر والبحرين بركب الاتحاد لم يتحقق، فقد أصبح اتحاد الإمارات السبع – التي تَتَكَوَّن منها الإمارات العربية المتحدة – نَمَوذَجًا يمكن أن تستلهمه اتِّحادات إقليمية وعربية في المنطقة (27)
 
لقد أدرك رِجالُ الاتِّحادِ وبُنَاتُه، وعلى رأسهم الشيخ زايد، أنَّ أمْنَ البلاد واستقرارها ونهضتها لا يمكن أن تتحقق بتحالفات هشة مُفتَعَلة، ولكن ببناء مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية متناغمة ومنسجمة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا باتِّحادٍ حقيقي وقوي (28). لم يكن نجاح الشيخ زايد في إقناع إخوانه الحكام بضرورة إقامة اتحاد قوي يرجع إلى كون أبوظبي هي أقوى الإمارات وأغناها فحسب، ولكن بما يتمتع به من حكمة وبصيرة وكذلك الاحترام الذي يَحْظَى به عند إخوانه الحكام وفي المنطقة كلها والعالم أجمع(29)
 
لقد آمن الشيخ زايد بأن اتحاد الإمارات هو الذي سيصنع مستقبل البلاد والأمة العربية، وأنه مطلب شعبي؛ قال: ‹‹أنا أؤمن بأن قوة الإمارات تكمن في اتحادها وتعاونها بإخلاص، وهذا الإيمان تلمسه بنفسك عند جميع أفراد شعوبها وتَتَأكَّد من انعقاد رغبتهم عليه، وإجماعهم على أنه خير وسيلة لتأمين صلاح حالهم وخير مستقبلهم، وأنه هو وحده الذي يحقق أمانيهم وآمالهم ليس في المنطقة وحدها، بل في الوطن العربي الكبير كله، وأنا لن أتوانى عن تقديم جميع الإمكانيات والوسائل الكفيلة بتقوية هذا الاتحاد وتدعيم بنيانه، ولن أتردد في أداء كل ما يترتَّب علينا من واجبات لدعم التضامن العربي الشامل بين بلادنا وبين الأمة العربية الكبرى، والله أسأل أن يحقق آمالنا وآمال أمتنا العربية المجيدة››  (30)
 
- القوات المسلحة حصن الاتحاد
 
لَمْ يَغِبْ عن رجال الاتحاد أن الوحدة الحقيقية لا يمكن أن تُصَان بغير قوات مسلحة اتحادية تحمي الاتحاد وتصون منجزاته. ولذلك ما إن أنشئ الاتحاد عام 1971م حتى ترسَّخَ إيمانُ الشيخ زايد بضرورة توحيد القوات المسلحة لتُشَكِّل درعا لسيادة الوطن ووحدته. ولئن كانت هذه العملية استغرقت وقتا، فإنها تحققت بالقرار التاريخي الذي اتخذه المجلس الأعلى للاتحاد في السادس من مايو 1976م بتوحيد القوات المسلحة، ثم بتنفيذ هذا القرار في 31 يناير 1978م. لم يكن توحيد القوات المسلحة بالأمر السهل، كشأن الإنجازات الكبرى الطموحة، لكنه كان ضروريا لترسيخ الاتحاد وحمايته، وهذا أدركه الشيخ زايد عند نشأة الاتحاد، إذْ قال: ‹‹الاتحاد .. لا بُدَّ أن تكون لديه قوة، ولا بد لهذه القوة أن تقوم معه، نحن ما ضحَّينا وما سهِرنا من أجله لكي يكون اتحادا شكليا أو ضعيفا، ولذلك فإن قوة دفاعه لا بد أن تقوم وأن تسهر على أمنه(31).
 
 

 
21 . صحيفة الجمهورية القاهرية / 8 ديسمبر 1971، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد: قراءة في الوثائق البريطانية ووسائل الإعلام العربية والأجنبية 1968-1971، مركز زايد للتراث والتاريخ، العين (الإمارات العربية)، الطبعة الأولى 1426هـ/2005م، ص 48؛ وانظر: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 51، 53؛ أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد، مرجع سابق، ص 29 – 30؛ الدكتورة فاطمة الصايغ، الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة، مرجع سابق، ص 285 – 287.   
22 . الشيخ زايد في مارس 1968، مُعَلِّقًا على اتفاقية السميح. صحيفة الأهرام القاهرية، 16 مارس 1968، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 53.
23 . انظر: The Union of Arab Emirates, FCO 8 / 828، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 48. 
24 . أصبح دائما بموجب التعديل الدستوري رقم 1 لعام 1996م. انظر: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 131. 
25 . النعيمي، راشد، زايد من مدينة العين إلى رئاسة الاتحاد، القاهرة، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 59؛ وانظر الصعوبات التي واجهت الاتحاد في:  زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، المرجع السابق، ص 90 فما بعد. وانظر كذلك: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، أبوظبي، ط 2، 2005، ص249 فما بعد.
26 . راجع: التفاصيل في: ‹الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 34؛ وانظر: بقوة الاتحاد، المرجع السابق، ص 249 فما بعد.
27 . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 34.
28 . مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، مرجع سابق، ص 222.
29 . انظر التفاصيل في: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، أبوظبي، ط 2، 2005، ص 222 فما بعد.
30 . زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 120 – 121.
31 . المرجع السابق، ص 158.
 

الشيخ زايد وإخوانُه شيدوا حصون الاتحاد

 
لقد أيْقَنَ رجالُ الاتحاد بقيادة الشيخ زايد أن الاتحاد يجب أن يُبْنَى في قلوب المواطنين قبل تجسيده وتشييده في الأرض. وهذا هو سِرُّ نجاح الاتحاد وسِحْرِه وجاذبيته. ذلك أن بعض التجارب الاتحادية في المنطقة فشلت لأنها بُنيت بغير أساس متين، كما تعرضت اتحادات أخرى لِهَزَّات عنيفة كادت تعصف بها قبل أن تَتَجَذَّر ويَشْتَدَّ عُودُها؛ أمَّا اتحادُ الإمارات فقد شُيِّدَ في القلوب والعقول قبل أن يُبْنَى في الأرض؛ لذلك نجح وأصبح نموذجا فريدا.   
 
إنَّه اتحاد قائم على سُلطة مركزية، لكنه يُراعِي الاعتبارات المحلية وخصوصيات كل إمارة، وذلك سر ديناميته ووتميُّزِه من غيره من الاتحادات التي فشلت في المنطقة. وهذا ما لَحَظَه وَفْدٌ أكادِيميٌّ من الجامعة الأردنية زارَ دولة الإمارات في مطلع عام 2000م. يقول أحد أفراد هذا الوفد: ‹‹أمُورٌ كَثِيرةٌ أثَارَتْ إِعْجَابِي خِلالَ زِيَارَتِي الأخِيرَةِ إلَى دَوْلَةِ الإمَارَات؛ غَيْرَ أنَّ أَكْثَرَ مَا أَعْجَبَنِي هُوَ الإحْساسُ بالتَّركِيز؛ إذْ يَبْدُو أنَّ الإمَاراتِ المختلفة قَدْ عَرَفَتْ تَمَامًا مَا تُرِيدُ تَحْقِيقَه، ونَجَحَتْ كُلُّ إمَارَةٍ فِي تَحْقِيق مَا تُرِيدُ، أوْ أنَّها فِي صَدَدِ تَحْقِيقِه. فَقَدْ بَرَعَتْ دُبَي فَِي التجارة، بينما برعت الشارقة في الثقافة والتراث، وهكذا. وقد يُسارِعُ البعض إلى القول بأنَّ الْمَالَ وحْدَهُ هُو الذِي يَقِفُ ورَاءَ التَّقَدُّمِ، وهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ، بَلْ تَحَقَّقَ كُلُّ ذلك بفضل التَّخطيط السليم والإدارة الْجَيِّدة وحُسْنِ التركيز(32)
 
 

 
32 . انظر:Dr. Ahmed Y. Majdoubeh, “View from Academia ,” Jordan Times, April 7-8 2000, 5.؛ نقلا عن: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (مُعِد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، أبوظبي، ط 2 2005، ص 297 - 298.    
 

خصائص الاتحاد

 
ذَكَرْنَا أنَّ أهم ما يَمِيزُ اتحادَ الإمارات العربية من غيره هو أنه بُنِيَ في قلوب المواطنين  قبل بنائه في الأرض. فقد شارك القادة والشعب في بنائه وتجسيده. ويتميز بخصائص أخرى، وهي أنه قام على الرضا العام، والتقاليد العربية الإسلامية، ومبدأ التعاون والتكامل والتحاور في جميع الأمور وفق مبدأ الشورى والتشاور. وهناك خصوصية أخرى مُسْتَتِرة لا يُدْركها إلَّا مَن أُوتِيَ فِطْنةً فائقة أو حِسًّا مُرْهَفًا، وهى أن هناك مسحة معمارية تطبع العمران في إمارات الاتحاد المختلفة رغم تباينها العمراني. فأنتَ إذا ذهبتَ من دبي إلى الشارقة على سبيل المثال ستجد بعض التباين والتنوع في البناء، لكنك تلحظ نوعا خفيا من التشابه والتناغم حيث إنكَ تدخل الشارقة دون أن تشعر أنك غادرت دبي والعكس. فإذاً هناك تناغم وانسجام في عمارة الاتحاد رغم التبايُن والتنوع. وهذا التناغم والانسجام الملحوظ في العمارة ليس سوى انعكاس للوحدة الثقافية والروحية والاجتماعية لشعب الإمارات وتجانسه مما يشكل حصنا منيعا للاتحاد يصونه ويحميه. 
 
إن هذا التماثل والتكامل بين الإمارات المختلفة، ليس فقط على المستوى الاقتصادي، ولكن أيضا على المستوى الاجتماعي والثقافي والجغرافي والتاريخي هو الذي شكل صِمَام الأمَان للاتحاد. وقد راعى القادة تلك الخصائص والاعتبارات بغية بناء الاتحاد على أساسٍ متين (33). والأهم من هذا أن القادة حرصوا على متابعة التجربة وتقويمها في كل المراحل حتى تَتَجَذَّر وتحقق النهضة والتقدم. وقد عبر الشيخ زايد عن ذلك حين قال: ‹‹إنَّ مسير الاتحاد تَنْمُو وتَتَقدَّم من مرحلة إلى أخرى، وفي كُلِّ مرحلةٍ عَلَيْنا أن نُراجِع مَا تَحَقَّقَ ... حَتَّى نُواصِل المسيرة ونُسْرِعَ الخطى لتحقيق آمال شعبنا ... إنَّ أُمَّتنا تنتظر مِنَّا أن نُحقِّق لها ما يُسْعِدُها، وأن نَنْتَقِلَ بها إلى ما هو أفضل (34) . وإذًا، فإن تجربة الاتحاد تتسم بخاصية فريدة أخرى وهي المتابعة المستمرة والمراجعة الدائمة في كل مرحلة لضمان النجاح الدائم.       
 
 
- الاتحاد صيانة للهوية الثقافية والاجتماعية والوطنية
 
إن بناء اتحاد الإمارات العربية المتحدة بقدر ما هو استجابة لضرورة سياسية واقتصادية واجتماعية فهو أيضا ترسيخ للهوية الحضارية والوطنية للبلاد. وهذا ما عبَّر عَنْه صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان حين قال:‹‹مَنْ لا هُوِّيَّة له لا وُجودَ له في الحاضر ولا مكانَ له في المستقبل››. وكان إعلان سموه سنة 2008 عاماً للهُوِّيَّة الوطنية في خطابه الذي وجَّهَه إلى الشعب بمناسبة عيد الاتحاد السادس والثلاثين تكريسا لهذا المبدأ، إذْ ركَّز في هذا الخطاب على أهمية اللغة العربية لأنها ‹‹قَلْبُ الهُوِّيَّة الوطنية ودِرعُها وروحُ الأمَّة وعُنصرُ إصابتِها ووِعاءُ فكرِها وتراثِها...››. وهذا صحيح ، فاللغة هي أساس الهوية الثقافية لأي مجتمع، حتى إن المجتمع والأفراد لا يستطيعون الإبداع إلا بلغتهم، كما أثبتت الدراسات الحديثة والتجارب (35)
 
والْهُوِيَّة الثقافية التي تُعَدُّ اللغةُ أساسَها وقِوامُها ترتكز بالطبع على ثقافة المجتمع. فالثقافة هي تعبير عن وُجودٍ (أي هُوِّيَّة) وبُوصَلةٌ تحدِّد للمجتمع اتجاهه؛ فبدونها لا يستطيع أفراد المجتمع معرفة ماضيهم ولا التطلُّعَ إلى مستقبلهم؛ فهي التي تجعل الإنسان يسير على هُدًى وبَيِّنَةٍ مِن أمْرِه في هذا العالَم المتنوِّع (36) . والْهُوِيَّة التي تَصَوَّرَها صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد على النحو السابق، والتي تَحدَّث عنها الشيخ زايد من قبله هي هُوِيَّة منفتحة على الآخر .. تتفاعل معه لكنها لا تذوب فيه ولا تنصهر .. تأخذ منه وتعطيه .. هوية قائمة على ‹الأنا› المنفتح الذي يعتز بتاريخه وحضارته العريقة ودينه، لكنه لا يرى حرجا من الاستفادة من حضارة الآخر والتفاعل معه.
 
قال سموه: هويتنا الوطنية هي التعبير الشامل عن وجودنا، وقيمنا وعاداتنا وتقاليدنا الإيجابية، ولغتنا الوطنية. ومجتمعنا بحاجة لبرامج وطنية تعزز هويتنا، وتعمق فينا الانتماء والمواطنة، وتحفز روح العمل والمبادرة المنتجة، بما ينسجم وروح العصر ويحافظ على سماتنا المميزة لنا. الإنجازات التي تحققت على مدار عُمر الدولة، جاءت بفضل القيادة الحكيمة للبلاد وقدرتها الرائعة على التعبير عن أهداف الشعب وتطلعاته في حاضره ومستقبله. والتقاء الإرادتين هو الضمان لانطلاقة ظافرة نحو تحقيق الهدف الوطني الأول للعام الحالي 2008 وهو الحفاظ على الهوية الوطنية وتعزيزها ومحاربة الأخطار المحدقة بها(37). 
 

 
33  . بقوة الاتحاد، مرجع سابق، ص 231 – 232.
34  . المرجع السابق، ص 232.
35  . انظر في هذا الصدد:Seveinn Einarsson, Language –a tool for communication or a cornerstone of our cultural diversity? In: The Art of Impossible?: Multilingualism and access to cyberspace, The Norwegian National Commission for UNESCO, Norway, 1999, pp. 10 -11.
36  . جان بيير فارنيي، عولمة الثقافة، ترجمة عبد الجليل الأزدي، الدار المصرية اللبنانية، ط 1، القاهرة،  1423 / 2003، ص 16.
37  . موقع وزارة الثقافة والشباب وتنمية المجتمع، الرابط: اضغط هنا
 
 

النظام الدستوري للاتحاد

يُحدِّد دستورُ الإمارات العربية المتحدة الصادر عام 1971م وتعديلاتُه المختلفة شكل الدولة بأنها اتحادية؛ وحدَّد اختصاصات الاتحاد على سبيل الحصر (المادتان: 120 - 121)، وأحال الاختصاصاتِ غير المنصوص عليها للاتحاد إلى الإمارات المنفردة (المادة: 122) (38). ونص الدستور على أن السلطات الاتحادية هي: المجلس الأعلى للاتحاد، ورئيس الاتحاد ونائبه، ومجلس وزراء الاتحاد، والمجلس الوطني الاتحادي، والقضاء الاتحادي (39).
 
ولم يحدد الدستور شكل نظام الحكم، ولذلك اختلف الفقهاء في طبيعته: هل هو نظام رئاسي أم نظام برلماني أم نظام مجلسي، أم هو نظام مختلط؟. ويمكن القول إنه نظام مختلط، لأنه جَمَعَ خصائص أنظمة الحكم المعروفة اليوم في العالم. فهو من ناحية نظام رئاسي يتألف من المجلس الأعلى للاتحاد ورئيسه إذْ يتولى المجلس ورئيسه رسمَ السياسات العامة للدولة دون مجلس الوزراء، كما أنه يُكَرِّس استقلال السلطات بعضه عن بعض؛ فالحكومة غير مسؤولة أمام المجلس الاتحادي الوطني، ومن ثَمَّ فإنه لا يمكن لهذا المجلس سحب الثقة من الحكومة إلخ (40). غير أنه من ناحية أخرى يَحْمِل بعضَ بَصَمَاتِ النظام البرلماني إذْ تُوجَدُ فيه ثنائية للسلطة التنفيذية (المجلس الأعلى ورئيسه)، ولا يوجد فصل تام بين  السلطات، بل تعاون وتشارك (41). وإذا قارناه بالنظام المجلسي الموجود في سويسرا نجده أيضا يشترك معه في بعضِ الشبه والخصائص. ففيه مجلس رئاسي تنفيذي (المجلس الأعلى للاتحاد) يُعيِّن رئيسه، غير أنه مع ذلك مختلف عن نظام المجلس السويسري. ولهذا فإنه يمكن القول إن نظام الحكم في الإمارات العربية المتحدة هو نظام مختلط يجمع خصائص تلك الأنظمة جميعا. وهذا ليس غريبا فالنظام الفرنسي مختلط، لا هو بالرئاسي ولا بالبرلماني، بَلْ يُوصَف بأنَّه شِبْهُ رئاسي. وسنرى بعد قليل أنه لا يوجد نظام واحد للحكم الديمقراطي  مُطَبَّقٌ في جميع الدول، وإنَّما تختار كُلُّ دَوْلةٍ نظامَ الحكم الذي يناسب تاريخها وثقافتها وعاداتها وتَطَوُّرَها السياسي.  
 
 وإلى جانب السلطة التنفيذية توجد السلطتان التشريعية والقضائية، كما أشرنا إلى ذلك. وتَتَكَوَّن السلطة القضائية من نظام هَرَمِي للقضاء على رأسه المحكمة الاتحادية العليا التي تَنْدَرِج تحتها مَحاكِمُ مِن دَرَجَاتٍ مختلفة (ابتدائية واستئناف). والقضاء مستقل وفقا للدستور ولا سلطة فوق القاضي عند نُطْقِه بالحكم سوى ضميره وفقا للقانون (المادة 94) (42). أما السلطة التشريعية فإنها موزعة بين المجلس الأعلى للاتحاد والمجلس الوطني الاتحادي (43). وقد نشأ المجلس الوطني مع ميلاد الاتحاد، إذْ أدرك الشيخ زايد وإخوانُه حكام الإمارات أهميةَ المؤسسات التمثيلية والأهلية في بناء الاتحاد وصيانته، فأُنشِئَ المجلس الوطني الاتحادي الذي عقد أولى جلساته بتاريخ 12 / 2 / 1972م. وكغيره من المؤسسات، فقد عرف نشأة متواضعة، لكنه تدَرَّج وتَطَوَّر حتى أصبح الآن في ظل القيادة الحكيمة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – هيئة قوية وفعالة في مناقشة مشروعات القوانين وتعديلها ورفضها، وإبداء الرأي في المعاهدات الدولية (44)، بالإضافة إلى اختصاصاته السياسية والمالية (45)
 
ففي الثاني من ديسمبر عام 2005م انتقل المجلس من مرحلة التأسيس (في عهد الشيخ زايد) إلى مرحلة التمكين في عهد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة، إذْ أصدر مرسوما بانتخاب نصف أعضاء المجلس وتوسيع عضويته واختصاصاته. وجرت انتخابات شعبية في ديسمبر 2006 لانتخاب 20 عضوا من بين أعضاء المجلس الأربعين. وكما يقول أحد أعضاء المجلس الذين انتُخِبوا آنئذٍ: ‹‹... في هذه الفترة تطوَّر عمل المجلس بروح جديدة وآمال ومتابعة جديدة ترتبت عن مبدأ المشاركة، ونحن كأعضاء لمسنا هذا التغير، حيث أصبح بإمكان أي شخص من الجمهور مثلا أن يتصل بعضو البرلمان ويسأله عما أنجزه، وغير ذلك (46). وفي عام 2009 مُدِّدت ولايةُ المجلس لتصبح أربع سنوات بدلا من سنتين، مِمَّا أتاح الفرصة للأعضاء بتكوين خبرة تراكمية في العمل البرلماني والوقوف على مشاكل المواطنين وهمومهم وآمالهم في إطار العمل التفاعلي والتشارُكي الذي تحث عليه قيادة البلاد. كما أُدْخِلَت صلاحيات جديدة إلى نظر المجلس مثل إبداء الرأي في المعاهدات الدولية، واختصاص المجلس بإعداد لائحته الداخلية ورفعها مباشرة إلى المجلس الأعلى دون التشاور مع الحكومة (47) .
 
وقد جرت انتخابات المجلس الوطني الأخيرة (24 سبتمبر 2011م) في جَوٍّ ديمقراطي ضمن المرحلة الثالثة من برنامج التمكين السياسي الذي أرسى قواعده  صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة - حفظه الله- عام 2005م (48).
 
 

 
38 . دستور الإمارات العربية المتحدة وتعديلاته؛ وانظر أيضا: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مكتبة الجامعة، الشارقة / دار إثراء للنشر والتوزيع، الأردن، ط 1، 2008، ص 107. 
39 . الباب الرابع (المواد 45 - 109) من دستور الإمارات العربية المتحدة.
40 . الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 122.
41 . راجع التفاصيل في: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 121، 123.
42 . دستور الإمارات العربية المتحدة وتعديلاته، مرجع سابق.
43 . راجع: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 121، 188، 200 – 202.
44 . راجع التفاصيل في: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 200 فما بعد.
45 . المرجع نفسه، ص 211 فما بعد.
46 . أحمد بن شبيب الظاهري، ‹‹المجلس الوطني الاتحادي: التجربة والأفق›› في: كتاب الموسم الثقافي (2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، 2010، ص 384. 
47 .  بموجب التعديل الدستوري رقم 1 لعام 2009.
48 . موقع اللجنة الوطنية للانتخابات: اضغط هنا
 
 
 

الديمقراطية التشاورية - الشورى

قبل الحديث عن الديمقراطية التَّشاوُرِية التي يُكرِّسها الدستورُ الاتحادي، فإننا نُذَكِّر بما قلناه آنفا بأنه لا يُوجَد مفهومٌ واحد للديمقراطية ولا شكل جامد لها لا تَحيد عنه. فالديمقراطية بالمفهوم الإغريقي القديم التي تُعَرَّفُ بأنها ‹‹حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب›› ليست سوى فكرةٍ طوباويةٍ أو نوعٍ مِن الْمُثُلِ غَيْرِ القَابِلَة للتطبيق في أرض الواقع، ولم تُطَبَّقْ في أيِّ بَلَدٍ في الْعَالَم مُنْذُ قديم الأزمانِ حتى اليوم، بَلْ لا يُمْكِنُ تَطْبِيقُها في المستقبل (49)
 
وأمَّا الديمقراطية المتبعة حاليا في الغرب التي ترتكز على آلياتٍ انتخابيةٍ وفَصْلٍ بين السلطات، فإنَّه لا يوجد لها شكل واحد، كما مَرَّ بنا، بل أشكال مختلفة باختلاف أحوالِ تلك الدول وتَطَوُّرِها التاريخي. ففقد رأينا من قبلُ كيف اختلفت تلك الأنظمة من نظام رئاسي (الولايات المتحدة) ونظام برلماني (بريطانيا) ونظام مختلط (فرنسا) ونظام مجلسي (سويسرا).
 
ثمَّ إنَّ آلياتِ الانتخاب مُخْتَلِفَةٌ أشَدَّ مَا يَكُونُ الاخْتِلَافُ في هذه الدول. فالشعب الأمريكي مثلا لا يَنتخِب رئيسَه مباشرة، بلْ ينتخب هيئة انتخابية في كل ولاية. وهذه الهيئة تنتخب الرئيس الأمريكي. ويمكن لأحد المرشَّحِين أن يَحصل على أغلبِ أصوات الشعب ومع ذلك يخفق في فالفوز بمنصب الرئيس؛ ذلك أن الآلية المتبعة هناك تجعل الانتخاب حقا للهيئة الانتخابية أو المجمع الانتخابي. وفي بريطانيا لا يُنتخَب رئيسُ الدولة بلْ إن هذا المنصبَ وِرَاثِيٌّ، ولا يَنتخِب الشعبُ مباشرةً رئيسَ الوزراء (الذي يمثل السلطة التنفيذية الفعلية)، ولكنه ينتخب أحزابا سياسية، وعندما يحصل حزبٌ على أغلب الأصوات يَتَوَلَّى رئيسُه رئاسة الوزراء تلقائيا. أما في فرنسا فإن انتخاب الرئيس يكون مباشرا. فالشعب ينتخب رئيسه بغير وساطة. فهذه مجموعة من الاختلافات التي تجعل الديمقراطيةَ في الغرب نفسه مُتَعدِّدةَ الأشكال والألوان والمضامين.
 
فالديمقراطية – إذًا - لها مضامين ومفهومات مختلفة وفق تقاليد كل مجتمع وثقافته وتطوره التاريخي. ولذلك عندما زار ديفيد كمرون، رئيس وزراء بريطانيا، جامعة زايد بأبوظبي مؤخرا وتَحدَّث عن الديمقراطية قال ‹‹إن الديمقراطية ليست في الانتخابات كُلَّ أربعِ أو خمسِ سنوات فقط، وإنما في توفير فرص التعليم والدراسة في الجامعة والحصول على العمل المناسب››، بل قال إنه تُوجَد ديمقراطياتٌ في دول عديدة لكنها لا تتجاوز الاسم إلى المضمون (50) ، وهذا ما قاله كمرون أيضا في الجلسة السابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة (26 سبتمبر 2012) (51).
 
وفي الإمارات أدرك الشيخ زايد أن نظام الحكم الْجَيِّد هو الذي يحقق الرفاهية والحياة الأفضل للمواطنين بغض النظر عن التسميات: ‹‹بِمَاذَا إذاً يمكن أن نسمي هذا النظام؟ عُمومًا ليس الْمُهِمُّ في التَّسْمِيَاتِ، ولكن المهم هو الهدف، والهدفُ حياةٌ أفضلُ للمواطنين، وهذا ما تَقُوم به دولتُنا. إن أفكارَ العدالةِ والتَّقَدُّمِ وغيرها مِن المفاهيم الحديثة موجودةٌ في الأساس في دِيننا الإسلامي، ونَحن لسنا بحاجة إلى استيراد أنظمةٍ من الخارج ما دام نظامُنا يُحقِّقُ الخيرَ، كُلَّ الخيرِ لأبناء الوطن (52) .لقد سعت قيادة الإمارات من الشيخ زايد حتى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – لتحقيق الرفاهية والسعادة والرضا للمواطنين وثقتهم بقيادتهم وحكومتهم، وهذا ما شهِد به تقرير دولي صدر مؤخرا يصنف الإمارات بأنها الأولى عالميا في مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية (53) ، مما يعني ثقة المواطنين بقيادتهم، وَفْقَ مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية الذي أعدته مؤسسة أيدلمان العالمية الأميركية لعام 2012 (54)
 
ونشير هنا إلى مستوى الحريات السياسية والمدنية التي يتمتع بها المواطن وفق ضوابط القانون والشرع وعادات البلد، ويشهد لذلك قبول الإمارات في شهر نوفمير الماضي عضوا في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة للفترة من بداية يناير 2013 حتى نهاية ديسمبر 2015. وهذا بمنزلة شهادة دولية من هذا المجلس على المستوى العالي الذي حققته الدولة في مسيرة حقوق الإنسان. 
 
هكذا، فإن الديمقراطية في الإمارات العربية المتحدة تتخذ مفهوما يتعلق بجلب السعادة والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب بما يَتَّفِق مع تقاليد المجتمع وثقافته ودينه وتاريخه. وهذا المفهوم ينظر إلى الهدف النهائي للديمقراطية، وهو مشاركة المواطنين في الحياة العامة، وتوفير الرفاهية والأمن والاستقرار لهم، وفق مبدأ التشاور (الشورى). وهذا ما يحدث الآن في الإمارات العربية التي وفَّرَت لشعبها كافة وسائل العيش الكريم والرفاهية والاستقرار والتشاور. وقد جُسِّدَ مبدأ التشاور في إنشاء المجلس الوطني الاتحادي وتوسيع اختصاصاته وطرق انتخابه. وهو الآن فاعل رئيسي في العملية التشريعية والرقابة والتعبئة السياسية إلخ. ويحرص صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على تطويره دائما وتمكينه، كما رأينا من قبل. وستشهد السنوات القادمة مرحلة جديدة من التمكين والتطوير. وهذا ما أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة إذْ قال: ‹‹سنعمل على أن يكون مجلسا أكبر قدرة وفاعلية والتصاقا بقضايا الوطن وهموم المواطنين تَتَرَسَّخ من خلاله قيمُ المشاركة الْحَقِّةِ ونَهْجُ الشُّورَى›› (55).
 
إن مفهوم الديمقراطية في الإمارات قائم على مفهوم الأسرة الإماراتية الواحدة التي تناقش قضاياها المختلفةَ صغيرَها وكبيرَها من أجل النهوض بالبلاد والسير بها دائما إلى الأفضل في جميع الميادين، وإيجاد حل للمشكلات المطروحة، وتدريب المواطنين من خلال ممثليهم على المشاركة في الشأن العام. ولذلك يمكن أيضا للمواطنين ضمن الآلية التقليدية المعروفة، وهي المناقشات والحوارات التي تجري في الصالونات والقاعات العامة والأندية المختلفة ومجالس الحكام والشيوخ، التعبيرَ عن آرائهم وتَظَلُّماتهم وإبداء رغباتهم، فهذه مفهومات للديمقراطية في دولة الإمارات. وهي وإن اختلفت عن تلك المعروفة في الغرب، فإن الهدف النهائي واحد بغض النظر عن الوسائل. ويكفل الدستور للأفراد كافة الحريات العامة من مدنية وسياسية واجتماعية واقتصادية(56)
إن هذه المشاركة أو العمل التشاركي بين الدولة والشعب هو ما أطلقت عليه الباحثة الاجتماعية سالي فيندلو ‹أيديولوجية المشاركة›، وهي ما تَمِيزُ دولةَ الإمارات عن غيرها. تقول هذه الباحثة: ‹‹تشجع حكومة دولة الإمارات بنشاط من خلال خطط رسمية عديدة ومن خلال نشر فكرة الشراكة على مساهمة كافة مواطني الدولة في بناء اقتصاد وبنية تحتية يملكان مقومات الدفع الذاتي؛ وبهذا المفهوم يتضح بجلاء دور الإرادة والجهود الجماعية في بناء دولة موحدة. غير أن هذا لا يعني أن الثروة والموارد المعلوماتية والقوة السياسية التي يمكن الحصول عليها بالمال لم يكن لها أي دور. وفي الوقت نفسه فقد تحقق التضامن الاجتماعي من خلال الروابط الأسرية الدائمة والعلاقات القبلية الأزلية في مجتمع صغير يشعر كل واحد من أفراده أن يعرف الحاكم شخصيا (أو يعرف أحد أفراد الأسرة الحاكمة على أقل تقدير)›› (57) .   
 

 
49 . الدكتور محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 3، 2004، ص 14 – 16.
50 . الموقع الإلكتروني لدار الخليج: اضغط هنا
51 . موقع وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، عند الرابط: اضغط هنا
52 . أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد، مرجع سابق، ص 113.
53 . انظر المزيد في: موقع جريدة الاتحاد عند الرابط: اضغط هنا
54 . اقرأ المزيد: الإمارات الأولى عالمياً في مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية - جريدة الاتحاد اضغط هنا
55 . في خطابه بمناسبة العيد الوطني الرابع والثلاثين في عام 2005م بشأن المجلس الوطني الاتحادي.
56 . الباب الثالث (المواد 25 – 44) من دستور الإمارات العربية المتحدة وتعديلاته؛ وانظر: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 235 فما بعد.
57 . انظر: Sally Findlow, The United Arab Emirates: Nationalism and Arab-Islamic Identity, Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, 2000, Emirates Occasional Papers 39, 20 – 21. ، نقلا عن: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، مرجع سابق، ص 307.
 
 
 

البنية التحتية

كما قلنا، فإن الهدف النهائي للاتحاد هو رفاهية المواطن وازدهار الوطن وتنميته سياسيا واجتماعيا وثقافيا واقتصاديا. وهذا كله يحتاج إلى بنية تحتية حديثة ومتطورة. لذلك كانت الأولويةُ بعد بناء المؤسسات السياسية والدستورية للاتحاد هي إنشاء بنية تحتية عصرية تحقق الأهداف السابقة. لقد انطلق بناء الدولة من العدم تقريبا. ذلك أن بريطانيا لم تُنْجِزْ أيَّ بنية تحتية في الإمارات، بل اتخذتها معبرا نحو مستعمراتها في الهند وغيرها كما صَرَّح بذلك الشيخ زايد في مؤتمر صحفي تحدث فيه عن علاقة الصداقة مع بريطانيا، لكنه قال: ‹‹... فبريطانيا لم تستعمرنا أبدا، وإنما اتخذت من منطقتنا مركز مرور واتصال لمتابعة مصالحها، ولكنها لم تضرنا بل سرتنا .. صحيح أنها لم تقم لنا مستشفيات أو مدارس أو شيئا من هذا القبيل (58) .
 
ولكن عندما تُوفي الشيخ زايد رحمه الله في 19 رمضان 1425هـ / 2 نوفمبر 2004م كانت دولة الإمارات قد وصلت إلى مستوى عالٍ من الازدهار، وحققت بنية تحتية متطورة في كافة المجالات من مدارس وجامعات ومستشفيات وطرق وجسور ومواصلات وموانئ بحرية ومطارات.. إلخ. فالإمارات أصبحت الآن دولةً عصرية تضاهي ببنيتها التحتية المتطورة الدولَ المتقدمة التي سبقتها بقرون. وصار لها دور بارز في السياسة الإقليمية والدولية. وأصبحت محلَّ إعجاب العالم  بتجربتها الفريدة في المجالات الاقتصادية والمالية والبنية التحتية والأمن والاستقرار وغيرها (59)
 
فقد أصبحت الإمارات الأولى إقليميا والحادية عشرة عالميا في مجال جودة البنية التحتية لوسائل النقل وفق التقرير العالمي لتمكين التجارة 2012 (60) ، فائقةً دولا كثيرةً مثل الولايات المتحدة الأميركية وفنلندا وبلجيكا (61) . وهي أيضًا الأولى عالميا في تصميم الأبراج الشاهقة حتى إن المجلس العالمي للأبنية الشاهقة والمساكن الحضرية (CTBUH) اختار إحدى المنشآت المعمارية بأبوظبي كأفضل تصميم معماري من حيث الابتكار والتنمية والتلاؤم مع البيئة، ومَنَحَ هذا المجلسُ جائزةَ الابتكار السنوية لأحد الأبراج الموجودة في العاصمة أبوظبي والتي  يملكها مجلس أبوظبي للاستثمار، ولَحَظَ المجلس العالمي للأبنية الشاهقة والمساكن الحضرية أن واجهة البرج تتميز بدينامية مبتكرة يمكنها تفتح وتغلق تلقائيا وفق الحاجة وحركة الشمس بهدف خفض استهلاك الطاقة إلى النصف (62)
 

 
58 . وزارة الإعلام، زايد مع رجال الإعلام في قضايا العصر، وزارة الإعلام، أبوظبي، ص 51 – 52، نقلا عن: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 55 – 56.
59 . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 44.
60 . للمزيد انظر موقع جريدة الاتحاد عند الرابط: اضغط هنا
61 . للمزيد انظر موقع الاتحاد، عند الرابط: اضغط هنا
62 . للمزيد انظر موقع جريدة الاتحاد عند الرابط: اضغط هنا
 

مؤشرات عامة

وإذ أخذنا بعض المؤشرات العامة نجد أنه بفضل السياسات الرشيدة التي انتهجتها الدولة في ظل قيادة صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة بلغ معدل العمر المتوقع (2005 - 2010) 72,2 سنة؛ وبلغت نسبة الملتحقين بالتعليم الجامعي تصل 22,5 من الشباب بين 20 و24 سنة؛ وبلغت نسبة النفاذ إلى الشبكة العنكبوتية 310,8 في الألف؛ وبلغ معدل الإنفاق العام على التعليم 1,3 % من إجمالي الناتج المحلي (63) . ووصل معدل النمو السنوي (عام 2010) 4 ٪، وبلغ نصيب الفرد من معدل الناتج المحلي الإجمالي (تقدير عام 2010) : 49,600 دولارا (64)
 
وَوَفق تقريرٍ نشرته مجلة فوربس عن أغنى 15 دولة في العالم لعام 2012 احتلت الإمارات العربية المرتبة السادسة إذْ بلغ نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي 47,439 دولار أمريكي (65)
 
واحتلت الدولة المرتبة الأولى عالميا في كفاية السياسات المالية، وفق تقرير ‹التنافسية العالمي 2012 (66) ؛ كما صُنِّفت بأنها الأولى إقليميا في مؤشر سهولة الأعمال، وفق تقرير الكتاب السنوي للتنافسية 2012 الصادر عن المعهد الدولي للتنمية الإدارية (67) ؛ وهي الأولى إقليميا والرابعة عالميا في مجال الأمن الإلكتروني، وفق تصنيف المنتدى الاقتصادي العالمي بسويسرا (68)
 
كما احتلت الإمارات المكانة الأولى عربيا والثالثة والعشرين عالميا في الاقتصاديات القائمة على الابتكار، مما يجعل الإمارات تصل إلى مرحلة عالمية متقدمة من مراحل التطور الاقتصادي في هذا المجال. وقد جاء هذا التصنيف ضمن تقرير التنافسية العالمي (2011 – 2012) الذي صدر مؤخرا في مجال قدرة الدول على تشجيع الابتكار والمعرفة لدفع اقتصادياتها إلى المنافسة العالمية (69) . والحق أن البلاد تحقق على نحو منتظم أرقاما قياسية أو تقدما مشهودا في كثير من المجالات (70) . ونالت  شركة اتصالات جائزة أفضل مزود للخدمة في الشرق الأوسط عام 2012 (71) .
 
 

 
63 . أخذنا هذه البيانات من: برتران بادي وسانرين تولوتي (إشراف)، أوضاع العالم 2008، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، ط 1، 2008، ص 544 – 546.
64 . انظر موقع جامعة أبوظبي: اضغط هنا
65 . انظر موقع مجلة فوربس باللغة الإنجليزية، عند الرابط: اضغط هنا
66 . انظر موقع جريدة الاتحاد، عند الرابط: اضغط هنا
67 . انظر موقع جريدة الاتحاد عند الرابط: اضغط هنا
68 . انظر موقع جريدة الاتحاد عند الرابط: اضغط هنا
69 . اقرأ المزيد في موقع الاتحاد، عند الرابط: اضغط هنا
70 . على سبيل المثال، فإننا أثناء كتابة هذه الجملة، طالعتنا صحيفة الاتحاد بأرقام جديدة حققتها البلاد. فقد حلت الإمارات في المركز السابع عالميا في عدد المسافرين الدوليين بما مجموعه 82 مليون شخص سنويا، وحافظت على المركز الثاني في معدل نمو الركاب، وفق تصريح حسين الدباس نائب الرئيس التنفيذي للشرق الأوسط وشمال إفريقيا في الاتحاد الدولي للطيران المدني (أياتا). انظر: جريدة الاتحاد: الملحق الاقتصادي: الاثنين 5 محرم 1434هـ / الموافق 19 نوفمبر 2012. 
71 . جريدة الاتحاد: الملحق الاقتصادي: الاثنين 5 محرم 1434هـ / الموافق 19 نوفمبر 2012.
 

التعليم والتدريب

وفي مجال التعليم وتنمية الموارد البشرية نجد المدارس والجامعات ومراكز التدريب المهنية المختلفة تنتشر في كل مكان. ذلكَ أن قيادة الدولة من الشيخ زايد حتى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة ظلَّت تراهن على الإنسان وتَعُدُّه الثروةَ الحقيقية للبلاد؛ لذلك أنْجِزَ كثيرٌ من المشروعات العملاقة لتحقيق هذا الهدف. 
 
وقد جَسَّد ذلك الشيخ زايد حين قال: ‹‹لقد كنتُ أُردِّد دائما عن قناعة قوية بأن الإنسان هو محور وأساس الحضارة، واهتمامُنا به ضروريٌّ لأنه محور كل تقدم .. فَمَهْمَا أقَمْنا من مُنشآت ومدارس ومستشفيات وجسور وغير ذلك، فإن كل هذا يبقَى كِيَانا مادِّيا لا رُوحَ فيه لأن روح كل هذا هو الإنسان القادر بفكره وجهد وإيمانه على تحقيق التقدم المنشود (72) . ويقول: ‹‹إن الثروةَ ليست ثروةَ المال .. بَلْ ثروةُ الرجال .. فهُمْ القوة الحقيقية التي نَعْتَزُّ بها، وهُم الزَّرْعُ الذي نَستظِلُّ بظِلاله .. والقناعةُ الراسخة بهذه الحقيقة هي التي مكَّنتنا من توجيه كل الجهود لبناء الإنسان (73) .
 
وقد سلك صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – منهج سلفه فكان نعم الخلف لخير سلف، فعَدَّ بناء الإنسان أولوية وهذا ما يتجلى في كثير من خطاباته وجهوده في هذا المجال، مما انعكس على تحقيق هذه النقلة النوعية التي تشهده البلاد في ظل خلافته في مجال التعليم والتدريب والمعرفة.
 
وبمقارنة عابرة نجد أنه عند إنشاء الاتحاد (1971م) لم تكن في الإمارات سوى 74 مدرسة، ووصل هذا العدد عام 2000م إلى 1150 مدرسة استقبلت 650 ألف طالب وطالبة، ونال التعليم عام 2001م أكبر حصة من ميزانية الاتحاد (74) . ووضعت الدولة إستراتيجية جديدة (رؤية التعليم 2020) لتطوير التعليم باستخدام أكثر البرامج والمناهج التعليمية فاعلية (75). وتنطلق هذه الرؤية من تصور شامل وعميق لمكونات التعليم المختلفة. ولذلك خصَّصت الدولة 46 % من ميزانيتها العامة لعام 2011 للتعليم والصحة والمجتمع(76) . فبلغ عدد المدارس الحكومية والخاصة (2011) نحو 1400 مدرسة، وارتفع عدد مؤسسات التعليم العالي إلى أكثر من 50 مؤسسة جامعية موزعة على إمارات الدولة، من بينها جامعات عالمية مرموقة (77)، كنيويورك والسوربون وغيرهما. ووفق بيانات منتدى المرصد العالمي بماليزيا عام 2012 فإن دولة الإمارات تستضيف أكبر عدد من الفروع الجامعية الدولية بواقع 37 فرعاً، وبنسبة 19 % من عدد الفروع على المستوى العالمي (78).
 
ولعل ما يدعو إلى التنويه هنا هو اهتمام هذه الجامعات بالبحث العلمي بوصفه أساس التقدم والنهضة العلمية في البلاد. فعلى سبيل المثال تَبَنَّت جامعة الإمارات بالعين مشروعا طموحا للبحث العلمي، إذْ مَوَّلْت منذُ 2010 حتى الآن 473 مشروع بحثي، وسجلت الجامعة حتى الآن 24 براءة اختراع في مجالات مختلفة (79) ، مما يؤسس مرحلة جديدة من التقدم العلمي والمعرفي. 
 
ذلك بالإضافة إلى البعثات الطلابية التي تُنفِذها الدولة كل سنة للدراسة في أرقى المؤسسات الجامعية في العالم في المجالات الحيوية لبناء الإنسان القادر على قيادة بلاده في القرن الحادي والعشرين. أضف إلى ذلك الدورات التدريبية المكثفة التي يستفيد منها المواطنون في الداخل والخارج للهدف نفسه. وقد أنشأت الدولة أيضا معاهد وكليات مختصة بالمجالات العلمية الدقيقة التي تطلبها نهضة البلاد وسوق العمل مثل: معهد مصدر للعلوم والتكنولوجيا المختص بأبحاث الطاقة المتجددة؛ وكلية الإمارات للطيران التي نهضت بدور مهم في تكوين القيادات وتدريبها في مجال المراقبة الجوية وهندسة الطيران وغيرهما؛ ثُمَّ إنشاء جامعة ‹بوليتكنيك أبوظبي›  المختصة بالهندسة النووية، وهي بدورها تابعة لمؤسسة أخرى مهمة، هي: معهد التكنولوجيا التطبيقية؛ وغير ذلك مِمَّا لا يمكن الإحاطة به.   
 
إن هذا الاهتمام بالتنمية البشرية هو ما جعل الإمارات تحتل مكانةً رفيعة في هذا المجال. فقد جاءت في المرتبة الأولى عربياً وفي المرتبة 30 عالمياً من حيث مؤشر التنمية البشرية لعام 2011. وأطلق في عاصمة البلاد أبوظبي تقرير التنمية البشرية لعام 2011 تحت رعاية سمو الشيخ منصور بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير شؤون الرئاسة. وقد استضافه مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية بتنظيم من برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ودائرة التنمية الاقتصادية في أبوظبي ومجلس الإمارات للتنافسية (80).
 
وقد جسَّد الشيخ زايد رؤية الإمارات الشاملة لبناء الإنسان بصفته الثروة الحقيقية للبلاد، وسار صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على خطاه، فأكمل الإنجازات في هذا المجال. يقول صاحب السمو الشيخ خليفة بمناسبة اليوم الوطني التاسع والثلاثين: 
‹‹أبناء الوطن الأوفياء في الوقت الذي تستشرف فيه دولتنا عامها الأربعين نؤكد لكم أن وطننا في رخاء وقوة وأمن وأن غرس الآباء قد آتى أكله خيرا وماضون على أساس من أفضل الممارسات في بناء الدولة وأطرها المؤسسية والقانونية مؤسسين لاقتصاد حر قوي متنوع وبنية تحتية متطورة وتنمية اجتماعية مستدامة وتتحرك مؤسساتنا الثقافية والاجتماعية في ثقة تعزيزا للهوية الوطنية وبناء للإنسان على أرض الوطن العزيز فالإنسان هو الثروة الحقيقية للأمم وهو أساس نهضة الدول.
 
‹‹وقد كان الحرص منذ نشأة الدولة على إنماء هذه الثروة بالاستثمار الواعي في أصولها الفتية تنشئة وتعليما وتدريبا ورعاية إعدادا لجيل مبادر كامل الولاء عميق الانتماء مشارك في إدارة مجتمعه محافظ على تراث أهله وستظل قيم الاتحاد ومبادئه هاديا ونبراسا لكل الأجيال ومشروعا لنهضة وطنية مستدامة وشراكة فاعلة بين الوطن ومواطنيه في بناء المستقبل المشترك وسيظل الثاني من ديسمبر يوما خالدا ومناسبة مجيدة نستلهم منها العبر ونجدد عبرها بيعة الولاء والوفاء والفداء للوطن››.
 
ولعل أفضل مَن تَحدَّث عن هذا التطور الذي حصل لدولة الإمارات هو الشيخ زايد إذْ قال: ‹‹وعندما ننظر اليوم إلى دولة الاتحاد فإننا نرى اتساع المناطق الخضراء في ربوع بلادنا، ونرى المئات من المشروعات الصناعية وشبكات الطرق والموانئ والمطارات. ولم تقتصر الدولة في تقديم الخدمات الأساسية وتحسين ظروف المعيشة والحياة الأفضل لجميع المواطنين، بلْ سخَّرت كُلَّ الطاقات والإمكانات لخدمة أبناء الوطن. وهكذا أصبح الاتحاد يعني السعادة للجميع، ولا أظن أن هناك مواطنا عاقلا يرفض السعادة والرضا والقوة(81).
 
 

 
72 . أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد، مرجع سابق، ص 70.
73 . المرجع نفسه، ص 70.
74 . مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، مرجع سابق، ص 304
75 . المرجع السابق، ص 304 – 305.
76 . للمزيد انظر موقع جريدة الخليج : إضغط هنا
77 . للمزيد انظر موقع جريدة الخليج: إضغط هنا
78 . للمزيد انظرموقع هيئة المعرفة والتنمية البشرية (دبي): إضغط هنا
79 . اقرأ التفاصيل في جريدة الاتحاد، تقرير: محسن البوشي، بعنوان: ‹جامعة الإمارات تمول 474 مشروعا بحثيا خلال 35 شهرا›: الجمعة 2 محرم 1434 / الموافق 16 نوفمبر 2012.
80 . للمزيد انظر موقع جريدة الخليج: إضغط هنا
81 . الدكتور خالد بن محمد القاسمي، حكيم العرب زايد بن سلطان آل نهيان، مرجع سابق، ص 82.
 

تمكين المرأة

لقد نظر الشيخ زايد إلى المرأة بوصفها أساسَ التنمية وبناءَ الأجيال، فأطلقَ مشروعَ تمكينها عندما قال: ‹‹إنني أشجِّع عمل المرأة في المواقع التي تتناسب مع طبيعتها، وبما يحفظ لها احترامها وكرامتها كَأُمٍّ وصانعة أجيال(82) . وقال أيضا: ‹‹لا بُدَّ أن تمثل المرأةُ بلادَنا في المؤتمرات النسائية بالخارج لتعبر عن نهضة البلاد، وتكون صورةً مُشَرِّفةً لنا ولمجتمعنا وديننا الذي أعطاها كافة هذه الحقوق (83)
 
ولا يقتصر تمكين المرأة على الجهود الحكومية، فقد نهض المجتمع المدني والأهلي بدور ريادي في هذا المجال حملت لواءَه سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، رئيس اتحاد النساء العام. فإليها يعود فضل كبير في نهضة المرأة وتمكينها بدعم الشيخ زايد. وهذا ما مكَّن المرأة الإماراتية من تحقيق ذاتها وتطوير قدراتها حتى أصبحت تشارك الرجل في كل المجالات العامة والخاصة وفي المحافل الدولية، كما رأينا سابقا.
 
فمنذ تأسيس اتحاد النساء العام برئاسة قرينة الشيخ زايد سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، أم الإمارات، في 27 أغسطس 1975م، وهذا الاتحاد ينهض بدوره في ترقية المرأة وتمكينها، بالتعاون والتنسيق مع جميع أجهزة الدولة في كافة المجالات المتعلقة بالمرأة (84). وقد أصبح هذا الاتحاد فاعلا في الاتحادات العربية والإقليمية والدولية بما يخدم قضية المرأة وتمكينها.
 
وسار صاحبُ السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – على خُطى والده وأكمل مشروعَ تمكين المرأة في المجالات المختلفة فأصبحت تتبوأ مكانة رفيعة في الحياة العامة والخاصة كما رأينا وكما سنرى. فقد حثَّ سموه في خطابه بمناسبة اليوم الوطني التاسع والثلاثين على تمكين المرأة وتنمية المجتمع؛ قال سموه: 
‹‹وتمكين المرأة وتعديد الخيارات أمام الشباب ودعمهم وحماية الأمومة والطفولة ورعاية المسنين والقصر والاهتمام بذوي الاحتياجات الخاصة. ولإيماننا المطلق بأن الأمم لا تنهض إلا بالنهوض العلمي خصصنا خلال السنة الاتحادية الماضية النسبة الأعلى من الموازنة الاتحادية للتعليم وركزنا على ضرورة وضع الخطط والبرامج التعليمية التي من شأنها تطوير حال التعليم في الدولة وأصدرنا قانونا لإنشاء هيئة المؤهلات الوطنية كما حاز قطاع الصحة على الدعم المناسب لتطويره وتحسين مردود الخدمات التي يقدمها للمجتمع››. لذلك أصبحت الإمارات مثالا للمساواة بين الجنسين في كافة المجالات ‹‹ونموذجا للتنمية البشرية التي تهتم بالإنسان ورفع مستوى معيشته على المستويات كافة (85)
 
وقد تضمَّن مؤشر الفجوة بين الجنسين لعام 2012 الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي في الرابع والعشرين من شهر أكتوبر الجاري كثيرا من الجوانب الخاصة بتمكين المرأة الإماراتية، إذْ ‹‹حافظت دولة الإمارات على صدارتها للمنطقة العربية للعام الثالث على التوالي في مجال المشاركة الاقتصادية للنساء كما تبوأت المرتبة الأولى عالميا بالمشاركة مع عدة دول أخرى في المساواة بين الذكور والإناث في مجال التعليم ضمن المجالات الأربعة الرئيسة التي يعتمد عليها المؤشر في قياس الفجوة بين الجنسين والمتمثلة في ‹الحصول على الرعاية الصحية والتعليم والمشاركة السياسية والمساواة الاقتصادية (86)
 
إن نجاح سياسة تمكين المرأة في الإمارات هو ما جعل الأمم المتحدة تنتخب الإمارات عضوا في المجلس التنفيذي لهيئة الأمم المتحدة للمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة للفترة من مُستهلِّ عام 2013 ونهاية ديسمبر عام 2015. 
 
ونشير إلى أن دستور الإمارات أسَّس الإطار القانوني لتمكين المرأة، إذْ كَفَلَ حقَّ المساواة بين الرجل والمرأة في العمل إذْ تنص المادة 35 منه على أن ‹‹باب الوظائف العامة مفتوح لجميع المواطنين , على أساس المساواة بينهم في الظروف وفقا لأحكام القانون (87). والدستور منح المرأة حقها الكامل بصفتها إنسانا له حقوق وعليه واجبات وبصفتها مواطنة تستحق كل التقدير والاحترام وفق الشريعة الإسلامية والمواثيق الدولية وقواعد حقوق الإنسان.
ووفقا لمؤشر الفجوة بين الجنسين الصادر عن المنتدى الاقتصادي العالمي، فإن الإمارات العربية تُعَدُّ  نموذجا في التنمية البشرية في كافة مستوياتها، ولذلك احتلت المركز الأول عربيا عام 2011 في تقرير التنمية البشرية الصادر عن البرنامج الإنمائي التابع للأمم المتحدة (88)
 
وبفضل سياسة التمكين في ظل القيادة الرشيدة لصاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – ارتادت المرأة الإماراتية جميع المجالات القيادية والإدارية والفنية وغيرها. فهي قاضية ووزيرة ومديرة تنفيذية وبرلمانية وقبطان وطبيبة وأستاذة جامعية ومدرِّسة ابتدائية وثانوية، وغير ذلك مما لا يتسع المجال لذكره. وعموما ارتفعت مشاركة المرأة في الحياة العامة، وفي العمل إذْ بلغت نسبتها في سوق العمل 65 % في بعض الوزارات (89). وتضطلع المرأة بدور أساسي في ملحمة البناء الذي تشهده الدولة في القطاع الحكومي وقطاعات الأعمال والتجارة والإعلام والتقنيات والعلوم المختلفة والحياة العلمية والأكاديمية والإبداعية، وتصل نسبة معرفة القراءة والكتابة عند الإناث في الإمارات إلى 91% وهي تفوق نظيرتها عند الذكور، كما أن نسبة 77% من الإناث (مقارنة بالذكور : 24%) يتابعن تعليمهن العالي، وهي النسبة الأعلى من نوعها في العالم (90)، كما تحتل الإمارات المرتبة 30 عالميا والأولى عربيا في مؤشر مقياس تمكين المرأة للعام 2011، الصادر عن برنامج الأمم المتحدة الإنمائي ضمن تقرير التنمية البشرية العالمي(91)
 
وقد حصلت القيادات النسائية في الإمارات مؤخَّرا على تدريب وتكوين للحصول على شهادات القيادة والإدارة في المملكة المتحدة(92). كما اختيرت مؤخرا 25 طالبة إماراتية متميزة للتدرب في وكالة الفضاء الأمريكية (ناسا)، وهذا تطور نوعي في مجال التمكين والمساواة بين الجنسين. كما يعكس توجه الدولة العام نحو تطبيق إستراتيجية تطوير التعليم التي تبناها صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد رئيس الدولة(93)
 
 
 

 
82 . أمل الصباح، شيخ العرب، مرجع سابق، ص 103.
83 . المرجع نفسه، ص 103.
84 . ديوان رئيس الدولة (مركز الوثائق والبحوث) / وزارة التربية والتعليم والشباب، زايد والمرأة، أبوظبي، ط 1، 1425 / 2004، ص 108 فما بعد.
85 . نشرة : «أخبار الساعة»: الإمارات حريصة على تمكين المرأة وأضحت نموذجاً للمساواة بين الجنسين - جريدة الاتحاد : اضغط هنا
86 . المرجع نفسه.
87 . دستور الإمارات العربية المتحدة وتعديلاته، مرجع سابق.
88 . نشرة : «أخبار الساعة»: الإمارات حريصة على تمكين المرأة وأضحت نموذجاً للمساواة بين الجنسين - جريدة الاتحاد : اضغط هنا
89 . أ. حميد القطامي وزير التربية والتعليم، تنمية الموارد البشرية في دولة الإمارات: تحديات وآفاق المستقبل في: كتاب الموسم الثقافي (2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، ط 1، 2010، ص 103. 
90 . وفق تصريح معالي ريم الهاشمي وزيرة الدولة، انظر: المرأة الإماراتية أثبتت نجاحها في القطاعات الحكومية والمالية والصناعية - جريدة الاتحاد اضغط هنا
91 . المرجع السابق.
92 . للمزيد انظر موقع مجلة فوربس: اضغط هنا
93 . نشرة أخبار الساعة، مركز الإمارات للدراسات والبحوث الإستراتيجية، تقرير بعنوان: ‹مخرجات تعليمية›، نقلا عن: جريدة الاتحاد: الجمعة، 2 محرم 1434 / الموافق 16 نوفمبر 2012.
 
 

السياسة الخارجية للاتحاد

لقد أعلن الشيخ زايد أمام المجلس الوطني الاتحادي في 12 فبراير 1972 أن السياسة الخارجية للدولة (94) تقوم على مبادئ ثابتة هي: ‹‹توثيق أواصر الصداقة والتعاون مع جميع الدول والشعوب على أساس مبادئ الأمم المتحدة والأخلاق الدولية المثلى››؛ تلك هي المبادئ العامة التي قامت عليها السياسةُ الخارجية لدولة للإمارات ودبلوماسيتها. فقد دَأَبَت في جميع علاقاتها وممارساتها الدولية على التَّمَسُّك بهذه المبادئ التي تَتَضَمَّن أيضا حلَّ جميع النزاعات بالطرق السلمية ووفقا للشرعية الدولية والقانون الدولي. وهذا ما تنتهجه الدولة لاستعادة جزرها المحتلة، وهي طنب الصغرى، وطنب الكبرى، وأبوموسى. 
 
وقد حدَّد الشيخ زايد أربع دوائر تدور عليها السياسة الخارجية لدولة الإمارات، وهي: الدائرة الخليجية، والدائرة العربية، والدائرة الإسلامية، والدائرة العالمية (95). وعلى المستوى الخليجي تحركت السياسة الخارجية للإمارات لدفع مسيرة دول الخليج العربية، إذْ لم تَمْضِ سوى 10 سنوات على توحيد الإمارات حتى استطاع الشيخ زايد بحكمته وبصيرته من أن ينهض بدور بارز في تأسيس مجلس التعاون الخليجي الذي ترأس اجتماعه الأول بأبو ظبي في فبراير 1981 حيثُ وُضِعَ صَرْحُ هذا المجلس. وظلَّت الإمارات تنتهج سياسة التعاون والتكامل مع الإخوة في الخليج العربي. وعلى المستوى العربي الشامل مدَّت الإمارات جسور التواصل والتعاون إلى جميع الدول العربية من المحيط الأطلسي إلى الخليج العربي. وقد تضمنت المادة الرابعة من النظام الأساسي لمجلس التعاون الخليجي المبادئ التي ظل ينادي بها الشيخ زايد وهي ‹‹تحقيق التنسيق والكامل والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها››. وشكلت القضيةُ الفلسطينية مِحورَ اهتمام الإمارات العربية المتحدة. ولذلك عندما اعْتَدَت إسرائيل على العرب عام 1967م سخَّر الشيخ زايد كافَّةَ إمكانيات الدولة لدعم أشقائه العرب، وحَظَرَ تصدير النفط إلى الولايات المتحدة وقال مقولته الشهيرة: ‹‹لَيْسَ المالُ أغْلَى مِن الدَّمِ، ولَيْسَ النَّفْطُ بأغلى من الدِّماءِ العربية (96).
 
وفي هذا الصدد ظلَّت الدولة تنادي بضرورة تطبيق الشرعية الدولية التي تُقِرُّ للشعب الفلسطيني بإقامة دولته المستقلة؛ وبعقد مؤتمر دولي برعاية الأمم المتحدة بصفته السبيلَ لتحقيق ذلك؛ وبحق تقرير المصير الذي هو مبدأ ثابت لا يمكن المساس به؛ ودعت الأسرة الدولية إلى التَّحرُّك لِرَفْعِ الظلم عن الشعب الفلسطيني ولحمايته من أعمال العنف والإرهاب التي يتعرض لها تحت الاحتلال الإسرائيلي؛ واعتبرت الهجرةَ اليهودية المكثفة إلى فلسطين مهدِّدةً للاستقرار في المنطقة ومُنذِرةً بتغير ملامحها السياسية والعسكرية والديمغرافية (97)
 
وعلى المستوى الإسلامي، فإن جهود الإمارات في دعم المسلمين في كل مكان غيرُ خافية على أحد. وقد عبَّر الشيخ زايد عن ذلك بقوله: ‹‹إن الدعوة التي تَتَردَّد في العالَم الآن تَحُضُّ على التعاوُن، وعلى التكاتُف لصالح البشر، وعلى السلام من أجل سعادتهم. وإن تعاليم القرآن الكريم تدعو البشر جميعا إلى التعاون والتكاتف والإخلاص والمحبة والسلام، فمن باب أولى أن يتحقق هذا التعاون والتكاتف بين الدول الإسلامية (98). لذلك قَدَّمت الإماراتُ كافة المساعدات السخية للدول الإسلامية المحتاجة إليها انطلاقا من واجبها الإسلامي والأخلاقي. وناصرت قضايا المسلمين في شتى المجالات.
 
وعلى المستوى الدولي تقوم سياسة الإمارات على توطيد علاقات الدولة مع كافة دول العالم وفق مبادئ المساواة والعدل والاحترام المتبادل وحب الخير للجميع بغير استثناء. قال الشيخ زايد: ‹‹إن دولة الإمارات حريصة على تطور علاقات الصداقة مع جميع دول العالم، لِما فيه خير ومصلحة شعب دولة الإمارات وشعوب العالم (99)
 
وأيَّدت الإمارات قضايا الحق والعدل في الأمم المتحدة وغيرها من المؤسسات الدولية بما مكنها من الاضطلاع بدور كبير في بناء علاقات دولية قائمة على السلام والاستقرار. وقد عبَّر عن ذلك الشيخ زايد: ‹‹إن المكانة الرائدة التي تحتلها دولة الإمارات في منظمة العلاقات الدولية هي ثمرة ما انتهجناه من سياسة خارجية معتدلة، تناصر الحق والعدالة، وتعتمد أسلوب الحوار والتفاهم بين الأشقاء والأصدقاء، وتحترم المواثيق والقوانين الدولية، وتلتزم بميثاق الأمم المتحدة، وتراعي قواعد حسن الجوار وسيادة الدولة ووحدة أراضيها، ولا تتدخل في شؤونها الداخلية، وتجنح لحل النزاعات بالطرق السلمية (100)
 
وقد حدد صاحب السمو الشيخ خليفة رئيس الدولة أهداف ومبادئ السياسة الخارجية والدبلوماسية الإنسانية للدولة في خطابه بمناسبة اليوم الوطني التاسع والثلاثين، فقال سموه:
‹‹إن الدبلوماسية الإنسانية هي أحد الأعمدة الرئيسة لسياستنا الخارجية وستستمر دولتنا في الاضطلاع بدورها المحوري في مساندة الجهود الدولية لمواجهة الأزمات والكوارث وتلبية نداءات الاستغاثة وأن تستمر نموذجا عالميا يحتذى في تقديم الاستثمارات والمنح والقروض الميسرة للدول النامية بما يحقق لها نموا اقتصاديا مستداما ويوفر لها الاستقرار ويضمن لأبنائها المزيد من فرص العمل.
‹‹ومع إدانتنا للإرهاب بكل إشكاله نعبر عن قلقنا من تنامي ظاهرة كراهية الإسلام داعين المجتمع الدولي إلى بذل الجهد للحيلولة دون استمرار الإساءة للدين الإسلامي أو إثارة الكراهية نحو الأقليات المسلمة››. وأضاف سموه: ‹‹تنطلق سياستنا الخارجية من ثوابت قائمة على التزام التعايش السلمي وحسن الجوار والاحترام المتبادل وتكريس علاقات التعاون وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول واعتماد الوسائل السلمية لتسوية الخلافات والاحتكام للشرعية الدولية واحترام الآخر والتشاور معه تحقيقا للسلم والسلام.
 
‹‹وبناء على هذه الثوابت نكرر الدعوة للجارة إيران للتجاوب مع دعواتنا لإيجاد تسوية عادلة لقضية جزرنا المحتلة الثلاث طنب الكبرى وطنب الصغرى وأبو موسى، مؤكدين أن صدق النوايا والإرادة القوية لحل المشكلات العالقة هي الخطوة الأولى لضمان استدامة الأمن والاستقرار في المنطقة››. 
وإذاً فقد حذا صاحب السمو رئيس الدولة حذو والده في قيادة الدولة بحكمة وبصيرة فأكمل بناء المؤسسات الدستورية والسياسية، وسار بالبلاد نحو النهضة الشاملة في جميع المجالات الاجتماعية والاقتصادية والثقافية والعمرانية وغيرها. فهاهي عجلة الاتحاد تسير بثقة نحو الازدهار والتقدم وتحقيق الرفاهية للمواطنين، فأصبحت الإمارات مثالا للنهضة والرفاهية والاستقرار والتطور بفضل القيادة الرشيدة والحكيمة لصاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان وإخوانه حكام الإمارات.   
 
 

 
94 . عن الساسة الخارجية لدولة الإمارات، يُراجع: د. نايف علي عبيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات بين النظرية والتطبيق، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 1425 / 2004؛ الدكتور خالد بن محمد القاسمي، حكيم العرب زايد بن سلطان آل نهيان، مرجع سابق، ص 189 – 223؛ 
95 . الدكتور خالد بن محمد القاسمي، حكيم العرب زايد بن سلطان آل نهيان، مرجع سابق، ص 192.
96 . الدكتور محمد حسن العيدروس، الإمارات بين الماضي والحاضر، دار العيدروس للكتاب الحديث، دبي، القاهرة، الكويت، الجزائر، 1422 / 2002 ، ص 206 – 207.
97 . الدكتور خالد بن محمد القاسمي، حكيم العرب زايد بن سلطان آل نهيان، مرجع سابق، ص 196 -197.
98 . الدكتور خالد بن محمد القاسمي، حكيم العرب زايد بن سلطان آل نهيان، مرجع سابق، ص 198 – 199.
99 . عبد الله راشد أحمد المر الكعبي، الكلام العجب من حكيم العرب، مطبعة الخالدية التجارية، أبوظبي، ط 1، 2003، ص 171.
100. عبد الله راشد أحمد المر الكعبي، الكلام العجب من حكيم العرب، مرجع سابق، ص 172.
 

إمارات المستقبل

تنطلق رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – للنهضة والبناء من مَنظُورٍ أرحبَ يتجاوز عصر النفط إلى التخطيط لِما بعد النفط، أي لمستقبل قائم على المعرفة (101). فقد فهِم منذُ وقتٍ باكرٍ – عندما كان وليا للعهد - أن عصر النفط لا محالةَ زائل؛ قال سموه: ‹‹إننا نفكر في كيفية مواجهة المستقبل عندما ينضب البترول بتنويع مصادر الدخل القومي ...››، غير أن الأهم هو ‹‹بناء الإنسان على هذه الأرض باعتباره الثروة الحقيقية، لأن المال لا يدوم ولأن العلم هو الباقي (102)
 
إن إمارات المستقبل ستقوم على العلم، وسيعتمد اقتصادُها على المعرفةِ وولوجِ عصر الابتكار والاختراع، أو بعبارة أخرى، تجاوزِ مرحلةِ استخدام التقنيات الحديثة واستيرادها إلى إنتاجها، وَفْق رؤية صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة وإخوانه حكام الإمارات. نعم ثَمَّةَ تحديات مرتبطة بالهوية الثقافية والوطنية، لاسيما في المجال الديمغرافي الذي يتجَلى فيه اختلالات لا بُدَّ من تداركها بما يضمن الاستقرار والازدهار للدولة. وقد عبر سموه عن ذلك عندما قال بمناسبة الذكرى السادسة والثلاثين لليوم الوطني: ‹‹إن مستقبلنا وهويتنا الوطنية مرتبطان ارتباطا جذريا ومصيريا بقضية التركيبة السكانية››.
 
وهناك تحدٍّ آخر لا يَقِلُّ عنه أهميةً، بلْ هو مرتبطٌ به أوْثَقَ الارتباط. وهو الفجوة بين مُدخَلَاتِ التعليم ومُخْرَجَاتِه؛ وبين الإنجازات الكَمِّية والكَيْفِيَّة للجهاز التعليمي؛ ذلك أن الدولة تُنفِق ملياراتِ الدراهم في خدمة التعليم وتطويره كل سنة، كما رأينا، فحَقَّ لَها أن تَتَوقَّع تَحْصِيلًا نَوْعِيًّا وهو ما يَزال يُمثِّل تَحَدِّيًّا في المستقبل، لأنه تَتفرَّع عَنه تحدِّياتٌ أخرى مثل التحدي الديمغرافي والتوطين إلخ. فلا بُدَّ من رَدْمِ هذه الْهُوَّةِ كما تسعى القيادة لذلك.
 
 

 
101 . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 42.
102 .  قال ذلك في حديث إلى الوفد الصحفي الإيطالي الذي رافق وزير التجارة الإيطالي في زيارة لدولة الإمارات في 9 أكتوبر 1987؛ نقلا عن: مكتب نائب رئيس الوزراء لشؤون الإعلام، خليفة بن زايد .. وبناء الأجيال (مُعِدّ)، أبوظبي، 2005، ص 15-16، نقلا عن: ‹الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 42.
 

قيام الإتحاد

 

 

مؤسسي الاتحاد

 

 

المصادر والمراجع

1 . المراجع باللغة العربية :
 
- الدكتور خالد بن محمد القاسمي، زايد حكيم العرب، المكتبة الجامعية، الأزاريطة – الإسكندرية، 2000.
- خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات: مسيرة قائد وإرادة شعب، الكتاب الأول، مؤسسة الكتاب الحديث (بيروت) / دار الثقافة العربية (الشارقة)، ط 1، 1992.
- أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طبع بمطابع دار أخبار اليوم (مصر).
- الدكتورة فاطمة الصايغ، الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة، دار الكتاب الجامعي، العين، 2000.
- منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة (كتاب الدورة الأولى 2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، 2010.
- دائرة الأشغال بأبوظبي : إنجازات 25 عاما من البناء والتعمير، مؤسسة  الاتحاد للصحافة والنشر ، أبوظبي، 1412هـ /  1991م.
- زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد: قراءة في الوثائق البريطانية ووسائل الإعلام العربية والأجنبية 1968-1971، مركز زايد للتراث والتاريخ، العين (الإمارات العربية)، الطبعة الأولى 1426هـ/2005م.
- بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية، أبوظبي، ط 2، 2005.
- جان بيير فارنيي، عولمة الثقافة، ترجمة عبد الجليل الأزدي، الدار المصرية اللبنانية، ط 1، القاهرة، 1423/2003.
- الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مكتبة الجامعة، الشارقة / دار إثراء للنشر والتوزيع، الأردن، ط 1، 2008.
- أحمد بن شبيب الظاهري، ‹‹المجلس الوطني الاتحادي: التجربة والأفق›› في: كتاب الموسم الثقافي (2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، 2010.
- الدكتور محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 3، 2004.
- برتران بادي وسانرين تولوتي (إشراف)، أوضاع العالم 2008، مؤسسة الفكر العربي، بيروت، ط 1، 2008.
- أ. حميد القطامي وزير التربية والتعليم، تنمية الموارد البشرية في دولة الإمارات: تحديات وآفاق المستقبل في: كتاب الموسم الثقافي (2010)، المركز الثقافي الإعلامي لسمو الشيخ سلطان بن زايد آل نهيان، أبوظبي، ط 1، 2010.
- د. نايف علي عبيد، السياسة الخارجية لدولة الإمارات بين النظرية والتطبيق، المؤسسة الجامعية للدراسات والنشر، بيروت، ط 1، 1425 / 2004. 
- الدكتور محمد حسن العيدروس، الإمارات بين الماضي والحاضر، دار العيدروس للكتاب الحديث، دبي، القاهرة، الكويت، الجزائر، 1422 / 2002 ، ص 206 – 207.
- عبد الله راشد أحمد المر الكعبي، الكلام العجب من حكيم العرب، مطبعة الخالدية التجارية، أبوظبي، ط 1، 2003، ص 171.
- ديوان رئيس الدولة (مركز الوثائق والبحوث) / وزارة التربية والتعليم والشباب، زايد والمرأة، أبوظبي، ط 1، 1425 / 2004.
 
 
2 . الدساتير : 
 
- الدستور الفرنسي (دستور 4 أكتوبر 1985) وفقا لتعديلات 23 يوليو 2008، تقديم وترجمة الدكتور محمد إبراهيم خيري الوكيل، دار النهضة العربية، القاهرة (د. ت.).
- دستور الإمارات العربية المتحدة وتعديلاته.
 
 
 
3 . المراجع باللغة الأجنبية:
 
Seveinn Einarsson, Language –a tool for communication or a cornerstone of our cultural diversity? In: The Art of Impossible?: Multilingualism and access to cyberspace, The Norwegian National Commission for UNESCO, Norway, 1999.
Sally Findlow, The United Arab Emirates: Nationalism and Arab-Islamic Identity, Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, 2000, Emirates Occasional Papers. 
 
 
4 . المواقع الالكترونية:
 
- الموقع الإلكتروني لدار الخليج : اضغط هنا
- موقع وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية :