عندما كان الشيخ زايد وإخوانُه الحكامُ يَحُثُّون الْخُطَى لبناء الاتحاد كانت الأحداث الإقليمية والدولية تتسارع أيضا. ففي السادس من يناير 1968 أعلنت الحكومة البريطانية نيتَها سَحْبَ قُواتِها العسكرية من منطقة الخليج في نهاية 1971؛ وعلى الفور اتَّصل الشيخ زايد بأخيه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم، حاكم دبي، في 12 يناير 1968 للتشاور ودفع الجهود نحو بناء الاتحاد (21) . لقد كان القائدان يَسْعَيَان منذ زمنٍ مع إخوانهم لتحقيق هذا الحلم، لذلك أعلنا اتفاقيةَ السميح التاريخية بإقامة اتِّحادٍ بين إمارة دبي وإمارة أبوظبي في 18 فبراير 1968م، ليكون نَواةً ومنطلقًا لاتحاد أشمل يَضُم الإمارات الأخرى. ودُعِيَت الإماراتُ الأخرى للانضمام إلى هذا الاتحاد.
 
ولا يزال صدى تلك الكلمات التاريخية التي علَّق بها الشيخ زايد على اتفاقية السميح في مارس 1968م يَتَرَدَّدُ فِي كُلِّ بَيْتٍ ومكانٍ في الإمارات العربية المتحدة. ‹‹إنَّنَا نُؤْمِنُ بأَنَّ الوَحْدَةَ مَصِيرٌ عَرَبيٌّ يَجب أن نَسْعَى إليه جميعا، وأن نَعْمَلَ جُهْدَنَا لكي نُذَلِّل الصِّعابَ التي تَحُولُ دُونَه، ومَتَى خَلَصَتْ النِّيَّاتُ، وتَبَادَلَ الأشِقَّاءُ وُجْهَاتِ النَّظَرِ، وتَعَاوَنُوا فِيمَا بَيْنَهُم، فإِنَّنَا سَنَصِلُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الوَحْدَةِ الشَّامِلَةِ بإذْنِ الله›› (22)
 
بلْ إنَّ صَدَى تلك الاتفاقية تردَّد في مصر قلب العروبة النابض آنئذٍ، إذْ علَّقت إذاعةُ القاهرة على الحدث بتاريخ 20 فبراير 1968م؛ قالت: ‹‹إن البيان الذي صدر بإعلان قيام فيدرالية بين إمارتي أبوظبي ودبي هو خُطوةٌ طيبة، ومُؤشِّر بارز لمستقبل الأيام. وتُعَدُّ هذه الخطوةُ إيجابيةً في طريق الوحدة العربية، فهي تُعبِّر عن رغبات الجماهير لقيام وحدة واسعة شاملة، تضم كافة الإمارات في المنطقة، أو رُبَّما أغلب هذه الإمارات. وتُعَدُّ هذه الخطوةُ أيضا تعبيرا حُرًّا عن الإرادة العربية، في الوقت الذي أعلنت فيه بريطانيا عن انسحابها من المنطقة في نهاية عام 1971، وإن هذه الإرادة ستُغلِق البابَ أمام كافة الأعْيُنِ الحاقدة التي تَتَطلَّع لاختراق هذه المنطقة، تحت عَباءة ما يُسمَّى نظام الدفاع المشترك، أو حُجَّةِ مَلْءِ ما يُسمَّى بالفراغ. وفي هذا الصدد فإن اتفاق الدفاع العربي المشترك الذي يُمثِّله اتحادُ أبوظبي ودبي سيكون له مغزاه العمَلي، وسيمنح هذا الاتفاقُ الذي أبرمته الإمارتان – والذي هو عمل وطني وحدوي رائد – الفرصةَ لانضمام أيَّةِ إمارة أخرى إليه، وبلا شك فإن الكثير من هذه الإمارات ستأخُذ طريقَها للانضمام للاتحاد ... إن هذا الاتحاد سيُمثِّل، دون شك، حاجزا يمنع التغلغل الأجنبي، وإن هذا الحاجز سيَكْتَسِب قوَّةً أكبر كُلَّمَا تَرَسَّخ هذا الاتحادُ، وازدادَ قُوَّةً (23)
 
 
 
- رجال لهم تاريخ
 
بعد اتفاقية السميح كَثَّفَ حُكَّام الإمارات جُهودَهم وحَثُّوا خُطاهم لإقامة الاتحاد. ولم تكن جهود القائد المؤسس الشيخ زايد لِتَتَكَلَّل بالنجاح لولا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ نَذَرُوا أنفُسَهم وجُهودَهم وإراداتهم لبناء هذا الصَّرْحِ الكبير. 
 
ففي 18 يوليو 1971م أصدر مجلس الحكَّام إعلانَ الاتحاد، وفي الثاني من ديسمبر 1971م عقد حكام أبوظبي، ودبي، والشارقة، وعجمان، وأم القيوين، والفجيرة برئاسة الشيخ زايد اجتماعاً تاريخيا بقصر الضيافة في الجميرة (دبي) وأصدروا بيانا بإعلان الدستور المؤقَّت (24) للاتحاد وانتخبوا الشيخ زايد رئيسا لدولة الإمارات، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائبا للرئيس. ثم التحقت إمارة رأس الخيمة بقاطرة الاتحاد في 10 فبراير 1972. وبذلك بدأت مسيرة الاتحاد نحو النهضة والتقدم. 
 
لم يكن بناء الاتحاد في فترة وجيزة سهلا، ولا الطريقُ إليه مفروشةً بالورود، بلْ رُبَّمَا كانَتْ ثَمَّةَ أشْوَاكٌ وصِعَابٌ كثيرة. يقول الشيخ زايد مشيرا إلى ذلك: ‹‹أنَا أَعلم هذه العقبات .. ولكنني لا أُؤْمِن بالمستحيل .. لنحاول في كل ما نتصوره مستحيلا حتى يتحول المستحيل إلى مقربة من الواقع .. ثم يصبح واقعا نعيش فيه›› (25). نعم ثمة صعوبات بل مآزق أحيانا إلا أن تلك العقبات قد ذُلِّلتْ بفضل حكمة الشيخ زايد وصبره وإيمانه بأن الإمارات المنفردة لا يمكن أن تنهض مهما أوتيت من موارد وثروات، وبفضل وقوف إخوانه الحكام معه ومشاركتهم إياه في هذه الرؤيةِ (26)
 
وإذا كانت مساعي الشيخ زايد والقادة وحلمهم الكبير بالتحاق الشقيقتين قطر والبحرين بركب الاتحاد لم يتحقق، فقد أصبح اتحاد الإمارات السبع – التي تَتَكَوَّن منها الإمارات العربية المتحدة – نَمَوذَجًا يمكن أن تستلهمه اتِّحادات إقليمية وعربية في المنطقة (27)
 
لقد أدرك رِجالُ الاتِّحادِ وبُنَاتُه، وعلى رأسهم الشيخ زايد، أنَّ أمْنَ البلاد واستقرارها ونهضتها لا يمكن أن تتحقق بتحالفات هشة مُفتَعَلة، ولكن ببناء مؤسسات سياسية واجتماعية واقتصادية متناغمة ومنسجمة، وهذا لا يمكن تحقيقه إلا باتِّحادٍ حقيقي وقوي (28). لم يكن نجاح الشيخ زايد في إقناع إخوانه الحكام بضرورة إقامة اتحاد قوي يرجع إلى كون أبوظبي هي أقوى الإمارات وأغناها فحسب، ولكن بما يتمتع به من حكمة وبصيرة وكذلك الاحترام الذي يَحْظَى به عند إخوانه الحكام وفي المنطقة كلها والعالم أجمع(29)
 
لقد آمن الشيخ زايد بأن اتحاد الإمارات هو الذي سيصنع مستقبل البلاد والأمة العربية، وأنه مطلب شعبي؛ قال: ‹‹أنا أؤمن بأن قوة الإمارات تكمن في اتحادها وتعاونها بإخلاص، وهذا الإيمان تلمسه بنفسك عند جميع أفراد شعوبها وتَتَأكَّد من انعقاد رغبتهم عليه، وإجماعهم على أنه خير وسيلة لتأمين صلاح حالهم وخير مستقبلهم، وأنه هو وحده الذي يحقق أمانيهم وآمالهم ليس في المنطقة وحدها، بل في الوطن العربي الكبير كله، وأنا لن أتوانى عن تقديم جميع الإمكانيات والوسائل الكفيلة بتقوية هذا الاتحاد وتدعيم بنيانه، ولن أتردد في أداء كل ما يترتَّب علينا من واجبات لدعم التضامن العربي الشامل بين بلادنا وبين الأمة العربية الكبرى، والله أسأل أن يحقق آمالنا وآمال أمتنا العربية المجيدة››  (30)
 
 
- القوات المسلحة حصن الاتحاد
 
لَمْ يَغِبْ عن رجال الاتحاد أن الوحدة الحقيقية لا يمكن أن تُصَان بغير قوات مسلحة اتحادية تحمي الاتحاد وتصون منجزاته. ولذلك ما إن أنشئ الاتحاد عام 1971م حتى ترسَّخَ إيمانُ الشيخ زايد بضرورة توحيد القوات المسلحة لتُشَكِّل درعا لسيادة الوطن ووحدته. ولئن كانت هذه العملية استغرقت وقتا، فإنها تحققت بالقرار التاريخي الذي اتخذه المجلس الأعلى للاتحاد في السادس من مايو 1976م بتوحيد القوات المسلحة، ثم بتنفيذ هذا القرار في 31 يناير 1978م. لم يكن توحيد القوات المسلحة بالأمر السهل، كشأن الإنجازات الكبرى الطموحة، لكنه كان ضروريا لترسيخ الاتحاد وحمايته، وهذا أدركه الشيخ زايد عند نشأة الاتحاد، إذْ قال: ‹‹الاتحاد .. لا بُدَّ أن تكون لديه قوة، ولا بد لهذه القوة أن تقوم معه، نحن ما ضحَّينا وما سهِرنا من أجله لكي يكون اتحادا شكليا أو ضعيفا، ولذلك فإن قوة دفاعه لا بد أن تقوم وأن تسهر على أمنه(31).
 
 

 
21 . صحيفة الجمهورية القاهرية / 8 ديسمبر 1971، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد: قراءة في الوثائق البريطانية ووسائل الإعلام العربية والأجنبية 1968-1971، مركز زايد للتراث والتاريخ، العين (الإمارات العربية)، الطبعة الأولى 1426هـ/2005م، ص 48؛ وانظر: خالد بن محمد القاسمي، دولة الإمارات، مرجع سابق، ص 51، 53؛ أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد، مرجع سابق، ص 29 – 30؛ الدكتورة فاطمة الصايغ، الإمارات العربية المتحدة من القبيلة إلى الدولة، مرجع سابق، ص 285 – 287.   
22 . الشيخ زايد في مارس 1968، مُعَلِّقًا على اتفاقية السميح. صحيفة الأهرام القاهرية، 16 مارس 1968، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 53.
23 . انظر: The Union of Arab Emirates, FCO 8 / 828، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 48. 
24 . أصبح دائما بموجب التعديل الدستوري رقم 1 لعام 1996م. انظر: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 131. 
25 . النعيمي، راشد، زايد من مدينة العين إلى رئاسة الاتحاد، القاهرة، نقلا عن: زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 59؛ وانظر الصعوبات التي واجهت الاتحاد في:  زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، المرجع السابق، ص 90 فما بعد. وانظر كذلك: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، أبوظبي، ط 2، 2005، ص249 فما بعد.
26 . راجع: التفاصيل في: ‹الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 34؛ وانظر: بقوة الاتحاد، المرجع السابق، ص 249 فما بعد.
27 . الشيخ زايد .. ويتحقق الحلم ويتجسد الأمل› في: منتدى الشيخ زايد السيرة والمسيرة، مرجع سابق، ص 34.
28 . مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، مرجع سابق، ص 222.
29 . انظر التفاصيل في: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، أبوظبي، ط 2، 2005، ص 222 فما بعد.
30 . زايد سيرة الأمجاد وفخر الاتحاد، مرجع سابق، ص 120 – 121.
31 . المرجع السابق، ص 158.