قبل الحديث عن الديمقراطية التَّشاوُرِية التي يُكرِّسها الدستورُ الاتحادي، فإننا نُذَكِّر بما قلناه آنفا بأنه لا يُوجَد مفهومٌ واحد للديمقراطية ولا شكل جامد لها لا تَحيد عنه. فالديمقراطية بالمفهوم الإغريقي القديم التي تُعَرَّفُ بأنها ‹‹حكم الشعب بالشعب ولأجل الشعب›› ليست سوى فكرةٍ طوباويةٍ أو نوعٍ مِن الْمُثُلِ غَيْرِ القَابِلَة للتطبيق في أرض الواقع، ولم تُطَبَّقْ في أيِّ بَلَدٍ في الْعَالَم مُنْذُ قديم الأزمانِ حتى اليوم، بَلْ لا يُمْكِنُ تَطْبِيقُها في المستقبل (49)
 
وأمَّا الديمقراطية المتبعة حاليا في الغرب التي ترتكز على آلياتٍ انتخابيةٍ وفَصْلٍ بين السلطات، فإنَّه لا يوجد لها شكل واحد، كما مَرَّ بنا، بل أشكال مختلفة باختلاف أحوالِ تلك الدول وتَطَوُّرِها التاريخي. ففقد رأينا من قبلُ كيف اختلفت تلك الأنظمة من نظام رئاسي (الولايات المتحدة) ونظام برلماني (بريطانيا) ونظام مختلط (فرنسا) ونظام مجلسي (سويسرا).
 
ثمَّ إنَّ آلياتِ الانتخاب مُخْتَلِفَةٌ أشَدَّ مَا يَكُونُ الاخْتِلَافُ في هذه الدول. فالشعب الأمريكي مثلا لا يَنتخِب رئيسَه مباشرة، بلْ ينتخب هيئة انتخابية في كل ولاية. وهذه الهيئة تنتخب الرئيس الأمريكي. ويمكن لأحد المرشَّحِين أن يَحصل على أغلبِ أصوات الشعب ومع ذلك يخفق في فالفوز بمنصب الرئيس؛ ذلك أن الآلية المتبعة هناك تجعل الانتخاب حقا للهيئة الانتخابية أو المجمع الانتخابي. وفي بريطانيا لا يُنتخَب رئيسُ الدولة بلْ إن هذا المنصبَ وِرَاثِيٌّ، ولا يَنتخِب الشعبُ مباشرةً رئيسَ الوزراء (الذي يمثل السلطة التنفيذية الفعلية)، ولكنه ينتخب أحزابا سياسية، وعندما يحصل حزبٌ على أغلب الأصوات يَتَوَلَّى رئيسُه رئاسة الوزراء تلقائيا. أما في فرنسا فإن انتخاب الرئيس يكون مباشرا. فالشعب ينتخب رئيسه بغير وساطة. فهذه مجموعة من الاختلافات التي تجعل الديمقراطيةَ في الغرب نفسه مُتَعدِّدةَ الأشكال والألوان والمضامين.
 
فالديمقراطية – إذًا - لها مضامين ومفهومات مختلفة وفق تقاليد كل مجتمع وثقافته وتطوره التاريخي. ولذلك عندما زار ديفيد كمرون، رئيس وزراء بريطانيا، جامعة زايد بأبوظبي مؤخرا وتَحدَّث عن الديمقراطية قال ‹‹إن الديمقراطية ليست في الانتخابات كُلَّ أربعِ أو خمسِ سنوات فقط، وإنما في توفير فرص التعليم والدراسة في الجامعة والحصول على العمل المناسب››، بل قال إنه تُوجَد ديمقراطياتٌ في دول عديدة لكنها لا تتجاوز الاسم إلى المضمون (50) ، وهذا ما قاله كمرون أيضا في الجلسة السابعة والستين للجمعية العامة للأمم المتحدة (26 سبتمبر 2012) (51).
 
وفي الإمارات أدرك الشيخ زايد أن نظام الحكم الْجَيِّد هو الذي يحقق الرفاهية والحياة الأفضل للمواطنين بغض النظر عن التسميات: ‹‹بِمَاذَا إذاً يمكن أن نسمي هذا النظام؟ عُمومًا ليس الْمُهِمُّ في التَّسْمِيَاتِ، ولكن المهم هو الهدف، والهدفُ حياةٌ أفضلُ للمواطنين، وهذا ما تَقُوم به دولتُنا. إن أفكارَ العدالةِ والتَّقَدُّمِ وغيرها مِن المفاهيم الحديثة موجودةٌ في الأساس في دِيننا الإسلامي، ونَحن لسنا بحاجة إلى استيراد أنظمةٍ من الخارج ما دام نظامُنا يُحقِّقُ الخيرَ، كُلَّ الخيرِ لأبناء الوطن (52) .لقد سعت قيادة الإمارات من الشيخ زايد حتى صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان رئيس الدولة – حفظه الله – لتحقيق الرفاهية والسعادة والرضا للمواطنين وثقتهم بقيادتهم وحكومتهم، وهذا ما شهِد به تقرير دولي صدر مؤخرا يصنف الإمارات بأنها الأولى عالميا في مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية (53) ، مما يعني ثقة المواطنين بقيادتهم، وَفْقَ مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية الذي أعدته مؤسسة أيدلمان العالمية الأميركية لعام 2012 (54)
 
ونشير هنا إلى مستوى الحريات السياسية والمدنية التي يتمتع بها المواطن وفق ضوابط القانون والشرع وعادات البلد، ويشهد لذلك قبول الإمارات في شهر نوفمير الماضي عضوا في مجلس حقوق الإنسان بالأمم المتحدة للفترة من بداية يناير 2013 حتى نهاية ديسمبر 2015. وهذا بمنزلة شهادة دولية من هذا المجلس على المستوى العالي الذي حققته الدولة في مسيرة حقوق الإنسان. 
 
هكذا، فإن الديمقراطية في الإمارات العربية المتحدة تتخذ مفهوما يتعلق بجلب السعادة والثقة المتبادلة بين القيادة والشعب بما يَتَّفِق مع تقاليد المجتمع وثقافته ودينه وتاريخه. وهذا المفهوم ينظر إلى الهدف النهائي للديمقراطية، وهو مشاركة المواطنين في الحياة العامة، وتوفير الرفاهية والأمن والاستقرار لهم، وفق مبدأ التشاور (الشورى). وهذا ما يحدث الآن في الإمارات العربية التي وفَّرَت لشعبها كافة وسائل العيش الكريم والرفاهية والاستقرار والتشاور. وقد جُسِّدَ مبدأ التشاور في إنشاء المجلس الوطني الاتحادي وتوسيع اختصاصاته وطرق انتخابه. وهو الآن فاعل رئيسي في العملية التشريعية والرقابة والتعبئة السياسية إلخ. ويحرص صاحب السمو رئيس الدولة الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان على تطويره دائما وتمكينه، كما رأينا من قبل. وستشهد السنوات القادمة مرحلة جديدة من التمكين والتطوير. وهذا ما أعلنه صاحب السمو الشيخ خليفة إذْ قال: ‹‹سنعمل على أن يكون مجلسا أكبر قدرة وفاعلية والتصاقا بقضايا الوطن وهموم المواطنين تَتَرَسَّخ من خلاله قيمُ المشاركة الْحَقِّةِ ونَهْجُ الشُّورَى›› (55).
 
إن مفهوم الديمقراطية في الإمارات قائم على مفهوم الأسرة الإماراتية الواحدة التي تناقش قضاياها المختلفةَ صغيرَها وكبيرَها من أجل النهوض بالبلاد والسير بها دائما إلى الأفضل في جميع الميادين، وإيجاد حل للمشكلات المطروحة، وتدريب المواطنين من خلال ممثليهم على المشاركة في الشأن العام. ولذلك يمكن أيضا للمواطنين ضمن الآلية التقليدية المعروفة، وهي المناقشات والحوارات التي تجري في الصالونات والقاعات العامة والأندية المختلفة ومجالس الحكام والشيوخ، التعبيرَ عن آرائهم وتَظَلُّماتهم وإبداء رغباتهم، فهذه مفهومات للديمقراطية في دولة الإمارات. وهي وإن اختلفت عن تلك المعروفة في الغرب، فإن الهدف النهائي واحد بغض النظر عن الوسائل. ويكفل الدستور للأفراد كافة الحريات العامة من مدنية وسياسية واجتماعية واقتصادية(56)
إن هذه المشاركة أو العمل التشاركي بين الدولة والشعب هو ما أطلقت عليه الباحثة الاجتماعية سالي فيندلو ‹أيديولوجية المشاركة›، وهي ما تَمِيزُ دولةَ الإمارات عن غيرها. تقول هذه الباحثة: ‹‹تشجع حكومة دولة الإمارات بنشاط من خلال خطط رسمية عديدة ومن خلال نشر فكرة الشراكة على مساهمة كافة مواطني الدولة في بناء اقتصاد وبنية تحتية يملكان مقومات الدفع الذاتي؛ وبهذا المفهوم يتضح بجلاء دور الإرادة والجهود الجماعية في بناء دولة موحدة. غير أن هذا لا يعني أن الثروة والموارد المعلوماتية والقوة السياسية التي يمكن الحصول عليها بالمال لم يكن لها أي دور. وفي الوقت نفسه فقد تحقق التضامن الاجتماعي من خلال الروابط الأسرية الدائمة والعلاقات القبلية الأزلية في مجتمع صغير يشعر كل واحد من أفراده أن يعرف الحاكم شخصيا (أو يعرف أحد أفراد الأسرة الحاكمة على أقل تقدير)›› (57) .   
 

 
49 . الدكتور محمد عابد الجابري، الديمقراطية وحقوق الإنسان، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، ط 3، 2004، ص 14 – 16.
50 . الموقع الإلكتروني لدار الخليج: اضغط هنا
51 . موقع وزارة الخارجية والكومنولث البريطانية، عند الرابط: اضغط هنا
52 . أمل الصباح، شيخ العرب الشيخ زايد، مرجع سابق، ص 113.
53 . انظر المزيد في: موقع جريدة الاتحاد عند الرابط: اضغط هنا
54 . اقرأ المزيد: الإمارات الأولى عالمياً في مؤشر الثقة بالإجراءات الحكومية - جريدة الاتحاد اضغط هنا
55 . في خطابه بمناسبة العيد الوطني الرابع والثلاثين في عام 2005م بشأن المجلس الوطني الاتحادي.
56 . الباب الثالث (المواد 25 – 44) من دستور الإمارات العربية المتحدة وتعديلاته؛ وانظر: الأستاذ الدكتور نواف كنعان، النظام الدستوري والسياسي لدولة الإمارات، مرجع سابق، ص 235 فما بعد.
57 . انظر: Sally Findlow, The United Arab Emirates: Nationalism and Arab-Islamic Identity, Abu Dhabi: The Emirates Center for Strategic Studies and Research, 2000, Emirates Occasional Papers 39, 20 – 21. ، نقلا عن: مركز الإمارات للبحوث والدراسات الإستراتيجية (معد)، بقوة الاتحاد / صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان القائد والدولة، مرجع سابق، ص 307.